الآثار..الذهب..المساكن الفندقية.. اضطراب فكرة الملكية العامة وحق الشعب لدى بعض المصريين

بعد الإجراءات التى اتخذتها الدولة المصرية فى ملف التنقيب عن الذهب بصورة غير شرعية، طالعتُ ربما مئات التعليقات الصادرة عن بعض المصريين التى تكشف عن اضطرابٍ واضح فى بعض المفاهيم لدى قطاع من المصريين مثل مفهوم الملكية العامة للأرض وما تحتويه من مقدرات. وهذا يعيدنا إلى قصص أخرى شبيهة مثل تجارة الآثار. وحين أصدرت السلطة التنفيذية قرارات طبيعية لتقنين ما يسمى بالسكن الفندقى، ظهر أن لدى بعضنا نفس الاضطراب فى مفاهيم أخرى مثل الفارق بين السكن الخاص وبين استخدام نفس السكن فى إدارة نشاط تجارى، وما يترتب على ذلك من استحقاق للشعب فى صورة رسوم إدارية وضرائب وما إلى غير ذلك.

(1)

يحترم جميع المصريين الملكية الخاصة للأفراد، ولا يمكن أن يحدث مثلا أن يقوم فلاح مصرى بالذهاب إلى قطعة أرض غير مزروعة يعلم ملكيتها لمواطن آخر ويقرر أن يقوم بزراعتها لنفسه. ونفس الشىء يحدث للعقارات والسيارات وجميع الممتلكات الخاصة، ومن يقوم بمحاولة السطو على الملكية الخاصة يتم اتهامه بالسرقة. بعض نفس هؤلاء المواطنين يعتقدون بشكل حقيقى أن ما لا يمتلكه فردٌ بعينه فهو ملكية على المشاع بلا صاحب، ويمكن لأى مواطن مثلا أن يقوم بمحاولة وضع اليد على قطعة أرض فضاء. بينما البعض الآخر يدرك خطأ هذا التصرف، لكنه يعتقد أن ما فى باطن الأرض هو حقٌ لمن يفتش عنه ويجده. مما اعتقده بعض المصريين أن الآثار مثلا هى تجارة (حلال) إذا ما وجدت أسفل عقار يملكه الشخص باعتبار أن ذلك رزقٌ وهبه الله له.

فى حالة التنقيب عن الذهب من قبل أفراد مصريين وأنا هنا لا أتحدث عن غير المصريين لأن قضيتهم محسومة ولا تحتاج إلى مناقشة فالبعض يعتبر هذا نشاطا شرعيا. من واقع ما قرأته من عشرات وربما مئات التعليقات، وجدتُ أن أصحابها يؤمنون بشكل حقيقى بما كتبوه، وهذا الذى كتبوه يدور فى فلك فكرتين. الأولى (حرام عليكم.. الشباب دول بيشقوا علشان يشتغلوا بالحلال بدل ما يمارسوا نشاط حرام زى..سيبوا الناس تشتغل وتكفى بيوتها بالحلال). أما الفكرة الثانية فهى (أكيد عايزين يمنعوا الناس الغلابة من الشغل دا علشان يدوه لناس كبيرة ويفضل الغلبان غلبان.)

هم فى الحقيقة لا يعترفون بأن التنقيب غير القانونى عن الذهب أو غيره هو سرقة صريحة لأكثر من مائة مليون مالك لهذا الذهب. هؤلاء الملاك الحقيقيون هم الشعب المصرى. ففكرة الملكية العامة لدى بعض المصريين مضطربة، وتعنى لهم أن (الحكومة) هى التى تملك الأرض والمقدرات، ولذلك فهم يعتقدون فى فكرة المظلومية بصفتهم الشعب! نحن باختصار نعانى من تبعات ما تم بثه فى العقل المصرى الجمعى عبر العقود الماضية من شيطنة الحكومة أو مؤسسات الدولة سواء عبر أعمال درامية وسينمائية، أو عبر الخطاب الدينى المشوه الذى ساد مصر فى العقود التالية لحرب أكتوبر.

لم يعلّم المصريين أحدٌ أن الملكية العامة تعنى ملكية الشعب بشكل جمعى لجميع المقدرات والأرض، وأن الحكومة بمعنى المؤسسات إنما تقوم بدور الوكيل عن المالك الحقيقى. هذا الوكيل مسؤلٌ عن حماية ممتلكات موكله أى الشعب، ومسؤلٌ وموكل لإدارة هذه الممتلكات. وهناك بالفعل عقدٌ أو توكيل رسمى قانونى بذلك موقع بين الملاك الشعب وبين الوكيل أى الحكومة. هذا العقد هو الدستور والقانون. وكلاهما حدد بشكل مفصل دور الوكيل، كما وثق ملكية الملاك أو الشعب، وأخيرا فقد وثقت بطاقة الهوية المصرية موافقة هؤلاء الملاك على هذا العقد. وهو عقد جماعى لا يجوز إلغاؤه من قبل فرد أو مجموعة أفراد لا تمثل غالبية الشعب. ولفسخ هذا العقد هناك أيضا طرق قانونية محددة يقوم بها ممثلوا الشعب فى المجلس النيابى. فحين يقرر فردٌ أو مجموعة أفراد أن يقوموا بنشاط اقتصادى خارج إطار هذا التعاقد يصبح الوصف القانونى لما يقومون به هو السرقة الصريحة للملاك الحقيقيين وليس للوكيل أو الحكومة!

الغريب أن تجد مواطنا يقوم بشكل تلقائى بإجراءات استخراج رخصة صيد مثلا فى خطوة إقرار ضمنية لما قلتُه بينما نفس المواطن يعتقد أن التنقيب عن الذهب دون تقنين حلالٌ وأن محاولة الدولة لتقنينه هى ظلمٌ بين!

(2)

ولا تقتصر فكرة ملكية الشعب فقط على (الذهب) بما يعنيه المسمى من إغراء، إنما تمتد هذه الملكية لتشمل ملكية واستحقاق حقوق أخرى تتعلق بالرسوم المفروضة على أى نشاط تجارى يمارسه أى فرد على أرض مصر. فحين يقوم فردٌ مثلا بالشروع فى فتح محل بقالة أو صيدلية، فعليه أن يقوم بمجموعة إجراءات ورقية يصاحبها تقديم رسوم مالية، ثم بعد ذلك ينتظم فى تسديد ضريبة عن أرباحه، تذهب ضريبته تلقائيا هى وجميع الرسوم ل(خزانة الدولة) التى تمثل (الحساب البنكى للملاك الحقيقيين أو الشعب)، ومن هذا الحساب يتم الإنفاق على هؤلاء الملاك وأبنائهم من مسكن وتعليم وصحة وطرق وأمن. وحين يقوم بعضنا بمحاولة ممارسة أى نشاط يدر دخلا دون القيام بتلك الإجراءات ودون تسديد هذه المستحقات لأصحاب الملكية، فهذا لا يعنى سوى أن هذا البعض يقوم بسرقة صريحة من حساب الملاك أو الشعب!

وفى قصة التنقيب عن الذهب تحديدا وطبقا لم شاهدناه من شهادات موثقة من قاطنى الأماكن التى شهدت هذا النشاط صاحبَ هذا النشاط ممارساتُ عنف روعت الأهالى وكانت أشبه بصراع عصابات مسلحة. فحمل السلاح دون ترخيص هو افتئاتٌ على مؤسسات الدولة وترويعٌ للمواطنين. إذن نحن لسنا فقط أمام نشاط خارج القانون، وسرقة صريحة مزدوجة للشعب، لكننا أمام مظهر من مظاهر سلب أهم عناصر الحياة من مواطنين مصريين تصادف أن كانت أماكن إقامتهم قريبة من مناطق التنقيب، وهو عنصر الأمان. وهنا يصبح واجبا على الوكيل مؤسسات الدولة أن تقوم بواجبها الدستورى والقانونى بالدفاع عن موكليها وتوفير الأمان لهم.

فى موضوع الآثار ولقد كتبتُ سابقا عنه أكثر من مرة هناك بعدٌ آخر يتجاوز فكرة سرقة الشعب المصرى سرقة مادية. هذا البعد يتعلق بسرقة جزء من هوية وتاريخ هذه البلاد وهذا الشعب. حتى الآن تحاول مصر استرداد قطعٍ أثرية بعينها تمت سرقتها منذ عقودٍ طويلة لمَا تتسم به تلك القطع من تفرد وأهمية. لذلك فمن يستحل تجارة الآثار هو فى الحقيقة مشروعٌ لمواطن خائن خاصة إذا كان متعلما، وبشكل أكثر خصوصية إذا كان تخصصه قريبا من التخصص التاريخى أو الأثرى.

(3)

فى كثيرٍ من مدن مصر السياحية وكشأن دول العالم أجمع هناك حقيقة على الأرض اسمها (السكن الفندقى). هذا يعنى أن بعض المصريين تصادف أنهم يمتلكون مساكن فى تلك المناطق، فقرروا أن يستفيدوا من هذه الميزة بأن يقوموا باستغلال مساكنهم وتأجيرها للسائحين. ولا غضاضة فى ذلك فهناك دول كثيرة بها نفس المفردة. لكن الغضاضة أو المشكلة فى مصر أن بعض هؤلاء يعتقدون أنه من الظلم أن تقوم الدولة بطلب تقنين أوضاعهم بشكل قانونى تجارى. ومنطقهم ببساطة هو (ليه ندفع أى رسوم ودى بيوتنا وشققنا واحنا أحرار فيها؟) هذا السؤال رغم ظاهرية منطقيته يتجاوز عدة حقائق يجب توضيحها.

أولا استمرار الوضع القائم دون تقنين به ظلمٌ بين لملايين المصريين الذين يقومون بدفع فواتير استهلاكهم من الكهرباء والمياه بنفس الشريحة التى يدفعها أصحاب السكن الفندقى، وهى شريحة غير تجارية، ويتساوى معهم فى هذه الشريحة مواطنون آخرون يحققون أرباحا طائلة.

ثانيا استمرار هذا الوضع دون تقنين به ظلمٌ بين لجميع أصحاب وملاك المشاريع الاستثمارية فى مصر بدءً من محلات البقالة البسيطة وصولا لأكبر الكيانات الاقتصادية. لأن جميع هؤلاء يقومون بدفع مستحقات الدولة أو الشعب عن استهلاكهم من الكهرباء والمياه والغاز بشريحة تجارية أغلى. كما أن جميع هؤلاء قاموا بالفعل بتسديد مبالغ كبرى لاستخراج تراخيص ممارسة النشاط التجارى والسجل التجارى والسجل الضريبى، ثم يقومون بتسديد نسب تبلغ أحيانا الثلث من الربح فى شكل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
مصراوي منذ 8 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 19 ساعة
بوابة الأهرام منذ ساعتين
صحيفة المصري اليوم منذ 4 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 12 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 11 ساعة
موقع صدى البلد منذ 6 ساعات
بوابة الأهرام منذ 6 ساعات