ليست كل الحرائق تُرى، وليست كل الهزائم تبدأ من الحدود. فهناك حرائق أخطر لأنها لا تترك وراءها دخاناً، بل فراغاً؛ تبدأ حين تفقد
قدرتها على حماية أهم مواردها: الإنسان. حين تتحول الخبرة إلى عبء، والكفاءة إلى مصدر قلق، وقول الحقيقة إلى مخاطرة. فالدول لا تنهار فقط حين تخسر الحروب أو تتراجع اقتصاداتها، بل قد تبدأ مسيرة التراجع حين تبدأ بإهدار رجالها، أولئك الذين راكموا المعرفة وامتلكوا القدرة على قراءة الواقع وصناعة القرار. فخسارة الإنسان الكفء ليست خسارة موقع أو وظيفة، بل خسارة جزء من ذاكرة
وقدرتها على التعلم والتطور. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تخسر شخصاً، فالأشخاص يأتون ويذهبون، بل أن تفقد البيئة التي تُنتج القادرين على تحمل المسؤولية. فحين يشعر أصحاب الخبرة أن الصمت أكثر أماناً من المصارحة، تبدأ عملية استنزاف هادئة تظهر لاحقاً في ضعف القرار وتكرار الأزمات.
ولهذا أدركت الدول الناجحة عبر التاريخ أن أعظم ثرواتها ليس ما يوجد تحت الأرض، بل ما يوجد في عقول أبنائها. ولهذا أكد دركر أن المعرفة أصبحت المورد الأهم في العصر الحديث، وأن المؤسسات التي تفقد أصحاب المعرفة تفقد قدرتها على المنافسة والبقاء. وذهب دوغلاس نورث إلى أن قوة الدول تقوم على مؤسسات تنتج الثقة والاستمرارية والتعلم. أما فيبر فرأى أن قوتها تنبع من جعل الكفاءة معياراً ثابتاً يتقدّم على الاعتبارات الشخصية. لكن المشكلة تبدأ حين ينفصل تقدير الكفاءة عن طريقة إدارتها؛ حين يصبح القرب والولاء للأشخاص داخل المؤسسة أهم من القدرة. عندها تخسر
أهم عناصر قوتها "القدرة على سماع الحقيقة، والدولة التي لا تسمعها لا تصحح أخطاءها في الوقت المناسب".
وهنا مكمن الخطر الحقيقي: صاحب الخبرة الذي يرى خللاً ولا يستطيع الحديث عنه لا ينسحب بالضرورة من المؤسسة، لكنه ينسحب من دوره الحقيقي فيها. يبقى جسدياً، ويتراجع تأثيره، وتتحول المؤسسة تدريجياً إلى مكان للتوافق الشكلي، عندها تتقدم الأصوات المترددة وقليلة المعرفة، لأنها أكثر قدرة على التكيّف مع بيئة لا تشجّع الاختلاف. وهنا يختفي
المختلف، لأنه لم يعد يشعر بالأمان الكافي ليُقال. وهكذا تخسر المؤسسات نظام إنذار مبكر كان يمكن أن يحميها من أخطاء أكبر. فالدول القوية ليست التي لا تخطئ، بل التي تمتلك مؤسسات قادرة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة، وهذا لا يحدث إلا حين يكون الخبير قادراً على الحديث، والمؤسسة قادرة على
بين النقد المهني والخصومة الشخصية. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صانع قرار ليس: كم خسرنا من الرجال؟ بل: كم رجلاً قرر، بصمت، ألا يقول الحقيقة بعد اليوم؟ فتكون المؤسسة قد دخلت في "دوّامة الصمت".
وإلى جانب هذه الدوّامة الداخلية، نرى أن
تغير من حول
جذرياً؛ ففي الماضي كانت
تمتلك المنبر وحدها، أما
فقد أصبح الهاتف الذكي منصة إعلامية متنقلة، وأصبح المواطن قادراً على مقارنة الروايات ومساءلة الخطاب الرسمي خلال دقائق. ولم تعد المعركة للوصول إلى الجمهور، بل معركة الحفاظ على ثقته. وفي عصر الإعلام الرقمي لم يعد المتحدث باسم
مجرد ناقل للمعلومة، بل جزءاً منها؛ فالجمهور يربط بين الكلمات وصاحبها، والدولة لا تخاطب مجتمعها بالكلمات فقط، بل بالوجوه التي تحملها. لذلك فإن اختيار من يمثلها قرار إستراتيجي لا مسألة هامشية. والدولة لا تخسر حين يختلف معها الناس، فالاختلاف طبيعي، لكنها تخسر حين تفقد القدرة على إقناعهم؛ فالاختلاف يُدار بالحوار، أما فقدان الثقة فيخلق فجوة يصعب ردمها. فالمصداقية لا تنتقل من المؤسسة إلى الشخص تلقائياً، بل الشخص هو من يرفعها أو يُضعفها. ولهذا فإن الدول الناجحة تبحث عمّن يمتلك المعرفة والهدوء في إدارة الأسئلة، ويحترم عقل جمهور لا يريد من يخاطبه من موقع الوصاية، بل باعتباره شريكاً في فهم التحديات الوطنية.
وهنا تظهر إحدى أخطر ظواهر العصر الرقمي "الفراغ المعلوماتي" الذي لا يبقى فارغاً. فإن لم تملأه المعلومة الموثوقة، ملأته مصادر أخرى قائمة على المبالغة أو الإشاعات أو الاستقطاب، إذ لا يغادر المواطن الإعلام الرسمي رفضاً لما يطرحه، بل بحثاً عن
يعكس أسئلته ومخاوفه، وعندما يشعر أن الرسالة لا يحملها الأقدر على الإقناع. ومن هذا الفراغ نشأ سلاح جديد من أسلحة العصر "الاغتيال المعنوي". فلم يعد استهداف الأشخاص يحتاج إلى قرار رسمي أو مواجهة مباشرة؛ تكفي إشارة لتُطلق حملة رقمية منظمة، أو اجتزاء موقف، أو إعادة تفسير تصريح خارج سياقه، حتى تبدأ عملية تشويه يصعب إيقافها. وفي غضون ساعات قد يجد من بنى سمعته المهنية خلال عقود نفسه أمام محكمة رقمية لا تعرف قواعد العدالة، ولا تمنح حق الرد، ولا تميّز بين النقد المشروع والتشهير المتعمد.
وهنا تكمن خطورة الخلط بين الاثنين: فالنقد ضرورة لصحة المؤسسات، أما تحويل الاختلاف إلى هدم للسمعة فيضر بالمؤسسات قبل الأفراد. والأخطر أن أثر هذه الحملات يمتد إلى كل من يراقب المشهد من الداخل، فيتلقى رسالة مختصرة "لا تقترب من الملفات الصعبة، ولا تقدّم رأياً مخالفاً، ولا تتحمل مسؤولية الحديث عن مشكلة حقيقية". وحين تنتشر هذه الرسالة تبدأ أخطر مراحل التراجع المؤسسي "الخوف من المبادرة". فالمؤسسة التي يخاف أفرادها تصبح أقل قدرة على الابتكار، وأقل قدرة على التصحيح. وما كان.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
