فى بطاقتى الشخصية مكتوب فى خانة العمل: «صحفية بجريدة المصرى اليوم»، وفى شهادة التخرج مكتوب «مهندسة» بحكم الدراسة، وعلى أغلفة كتبى: «كاتبة»، وفى المهرجانات الأدبية: «شاعرة»، لكن الأدفأ من بين كل تلك الألقاب: «ربّةُ منزل».
لهذا أربكنى اقتراحُ السيدة النائبة التى طالبت بتغيير عبارة «ربّة منزل» إلى «صانعة أجيال» فى بطاقة الرقم القومى. وكأن: «ربّة منزل»، هذا اللقب الشريف، لقبٌ ناقص يحتاج إلى عملية تجميل لغوية.
المشكلة الحقيقة، فى تقديرى، هى بُعدنا المخجل عن اللغة العربية وأسرار جمالها، ودقّة اشتقاقاتها، وفرادة معانيها، وسحر دلالاتها. دعونا نتأمل معنى كلمة «ربَّة» التى أزعجت مَن لا يفهمها. الكلمة مشتقّة من «الربوبية»، وتعنى: السيادة، القيادة، الرعاية. ولهذا نقول: «رُبّان السفينة»؛ لأنه قائدُها وربُّها مدة الرحلة، طالما تمخرُ السفينةُ عبابَ البحر. كلمة «ربّة» من الجذر العربى: (رَ بَ بَ) الدال على الرعاية. ومنها اشتقّت الأفعالُ وأسماءُ الأفعال: رَبَّى، يُربِّى، مُربٍّ، مُربّية، والاسم: التربية. وابتكرت الحضاراتُ القديمة ألقابًا شرفية تحمل دلالات الاكتمال: فهذه «ربّة الجمال»، وتلك «ربّة الضمير»، وهاتيك «ربّة الفضيلة» أو الحكمة، وغيرها من الفضائل الحسنى. «ربّة» فى ذلك السياق تعنى «الاكتمال» الذى لا بعده. فهل فيما سبق من مناصبَ عُليا ومراتبَ رفيعةٍ ما يُخجل؟ وإذا خجلتِ امرأةٌ من لقب: «ربّة منزل»، فهل سمعتم عن رجلٍ خجل من لقب: «رب الأسرة» أو «ربّ البيت»، أو «ربّ العمل»؟!
المنزلُ ليس جدرانًا تضمُّ ساكنيها. والبيتُ ليس أراضى تُكنس، وأوانى تُغسل، ووجباتٍ تُطهى. البيتُ وطنٌ مصغّر، ومدرسةٌ أولى، ومصنعٌ للقيم التى تتشكّل فيها ملامحُ الإنسان وأخلاقه وضميره قبل أن يخرج إلى العالم. فإذا كان الوطنُ بحاجة إلى رجال دولة، فإن البيت يحتاج إلى سيدات دولة. سيدات نبيلات يدركن أن تربية الضمير لا تقلُّ شأنًا عن هندسة الجسور، وأن غرس الفضيلة لا يقلُّ أهميةً عن سنِّ القوانين، بل يسبقها.
فجميع الحضارات الأصيلة، وعلى رأسها حضارتنا المصرية الخالدة، لم تبدأ بقصور الحكم، ولا بثكنات الجيوش، ولا بأسواق التجارة، وإنما بدأت من بيتٍ منضبط يقوده رجلٌ حكيم وامرأةٌ حكيمة، يعرفان أن مستقبل الأمم يُصنع أولًا حول مائدة الطعام، وفى غرفة الطفل، وفى تفاصيل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
