لم تمضِ سوى أيام قليلة على إسدال الستار على آخر نسخة من كأس العالم، حتى وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم، فيفا، نفسه في مواجهة عاصفة جديدة. لكن هذه المرة، لا يتعلق الجدل باختيار الدولة المستضيفة، أو هوية المنتخبات المتأهلة، أو حتى بقرار تحكيمي أثار الانقسام داخل المستطيل الأخضر.
فالقضية المطروحة اليوم تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، وتمس جوهر البطولة الأكثر جماهيرية في العالم، إذ تدور حول سؤال غير مسبوق، هل يمكن أن يصبح لكأس العالم مملوك للقطاع الخاص؟
وفي مطلع هذا الأسبوع، كشف فيفا عن مقترح لتأسيس كيان تجاري جديد يحمل اسم FIFA Forward Enterprise (FFE)، يتولى إدارة الحقوق والأنشطة التجارية لأبرز بطولات الاتحاد، وفي مقدمتها كأس العالم للرجال وكأس العالم للسيدات. وتشمل هذه الحقوق عائدات البث التلفزيوني، والرعاية التجارية، والتسويق، والتراخيص، وسائر الأصول التجارية التي تمثل العمود الفقري لإيرادات البطولة.
وبموجب الخطة، سيحتفظ فيفا بالسيطرة على الشركة الجديدة، مع طرح حصة تبلغ 21% منها أمام مستثمرين من القطاع الخاص، في خطوة قد تفتح الباب، للمرة الأولى في تاريخ البطولة، أمام مستثمرين للمشاركة في العوائد التجارية لأهم حدث كروي على مستوى العالم.
ويرى فيفا أن هذه الخطوة ستعزز قدرته على دعم الاتحادات الوطنية ماليًا، إذ يمكن لكل اتحاد عضو الحصول على تمويل فوري يصل إلى 20 مليون دولار لتنفيذ مشروعات استراتيجية، إضافة إلى 20 مليون دولار أخرى عبر برنامج FIFA Forward، وهو برنامج أطلقه الاتحاد الدولي لتطوير البنية التحتية لكرة القدم وتعزيز قدرات الاتحادات الوطنية، وذلك خلال دورة التمويل الممتدة من 2027 إلى 2030.
ووفقًا للمقترح، سيقود مجموعة المستثمرين المحتملين صندوق Thrive Capital، الذي أسسه الملياردير جوش كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، زوج إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إلا أن تمرير المقترح لن يكون مهمة سهلة، إذ يتطلب موافقة أغلبية الاتحادات الوطنية الأعضاء في فيفا، إلى جانب الحصول على موافقة مجلس فيفا، الذي يضم 37 عضوًا ويتولى رسم السياسات والقرارات الاستراتيجية للاتحاد. وحتى الآن، لا تبدو الطريق ممهدة أمام المشروع.
فما إن كُشف عن تفاصيل المقترح، حتى واجه موجة اعتراض واسعة، كان أبرزها من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، الذي لوّح بمقاطعة بطولات فيفا المستقبلية إذا مضت الصفقة قدمًا. وفي بيان نشره عبر حسابه الرسمي على إنستغرام، أكد الاتحاد، باسم الاتحادات الوطنية المنضوية تحت مظلته: "نرفض بالإجماع وبشكل قاطع مقترح فيفا القاضي بنقل حصص ملكية في كأس العالم وغيرها من بطولات الاتحاد الدولي إلى مستثمرين من القطاع الخاص".
وأضاف البيان: "لا يمكن التعامل مع كأس العالم باعتباره أصلًا استثماريًا أو منتجًا ماليًا. فهو أحد أعظم الإرث الرياضي في تاريخ كرة القدم، وقد صنعته أجيال متعاقبة من اللاعبين، والمنتخبات الوطنية، والجماهير في مختلف قارات العالم. ولا ينبغي مطلقًا التنازل عن أي جزء منه لصالح مستثمرين من القطاع الخاص. كأس العالم ليس معروضًا للبيع".
وحظي البيان بتفاعل لافت، إذ تجاوز عدد الإعجابات عليه عبر منصة إنستغرام مليون إعجاب، في انعكاس واضح لحجم الجدل الذي أثاره المقترح، ولحساسية المساس بالحقوق التجارية للبطولة التي تُعد جوهرة كرة القدم العالمية.
ماذا يقترح فيفا؟ في الوقت الراهن، يحتفظ الاتحاد الدولي لكرة القدم، فيفا، بالملكية الكاملة للحقوق التجارية المرتبطة بأهم بطولاته، وفي مقدمتها كأس العالم. وتشمل هذه الحقوق عقود البث التلفزيوني، واتفاقيات الرعاية، وحقوق التراخيص التجارية، وبرامج الضيافة، إضافة إلى جميع مصادر الإيرادات الأخرى التي تحققها البطولة وسائر المنافسات الدولية التي ينظمها الاتحاد.
لكن المقترح الجديد يقضي بنقل هذه الحقوق والأنشطة التجارية إلى شركة جديدة تحمل اسم FIFA Forward Enterprise (FFE)، لتصبح الكيان المسؤول عن إدارة الأصول التجارية لبطولات فيفا. وسيحتفظ الاتحاد الدولي بحصة الأغلبية والقدرة على التحكم في الشركة، لكنه سيطرح 21% من أسهمها لمستثمرين من القطاع الخاص، ما يمنحهم الحق في الحصول على جزء من العوائد والأرباح المستقبلية التي تحققها الشركة.
ورغم أن الفكرة قد تبدو غير مألوفة في عالم كرة القدم، فإنها تُعد نموذجًا شائعًا في قطاع الأعمال. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، اعتمدت شركات الأسهم الخاصة هذا النهج لعقود، إذ تستحوذ على حصص في شركات أو وحدات أعمال قائمة، ثم تضخ رؤوس أموال جديدة، وتعيد هيكلة العمليات التشغيلية لتحسين الكفاءة وتعزيز النمو، بهدف زيادة قيمة الشركة وتحقيق عوائد أعلى عند بيعها أو التخارج من جزء من استثماراتها.
ويشبه مقترح فيفا هذا النموذج في مراحله الأولى، إذ يقوم على إدخال مستثمرين استراتيجيين مقابل حصة أقلية في كيان تجاري مستقل. إلا أن المقترح، حتى الآن، لا يتحدث عن استثمار مؤقت أو خطة للتخارج لاحقًا، بل يصف العلاقة بأنها شراكة طويلة الأمد بين فيفا والمستثمرين. ومع ذلك، يبقى الاختلاف الجوهري في طبيعة الأصل محل الاستثمار.
فهنا لا يتعلق الأمر بشركة تجارية تقليدية أو مصنع أو مؤسسة خدمية، بل بالحقوق التجارية المرتبطة بكأس العالم، الحدث الرياضي الأبرز الذي ينظمه فيفا، وأكبر مصادر دخله على الإطلاق. ولهذا السبب، ينظر كثيرون إلى المقترح باعتباره تحولًا غير مسبوق في طريقة إدارة أهم أصول كرة القدم العالمية.
وتعكس الأرقام حجم هذه الأصول وقيمتها الاقتصادية. فبحسب تقديرات فيفا، من المتوقع أن تصل إيراداته خلال عام 2026، الذي يشهد إقامة كأس العالم، إلى نحو 9 مليارات دولار، يأتي ما يقرب من 4 مليارات دولار منها من حقوق البث التلفزيوني، ونحو 3 مليارات دولار من مبيعات التذاكر وبرامج الضيافة، بينما تسهم اتفاقيات الرعاية والتسويق بحوالي 1.8 مليار دولار.
ورغم أن الجماهير تدرك منذ سنوات أن كأس العالم يمثل أحد أكثر الأحداث الرياضية تحقيقًا للإيرادات، فإن المعارضين للمقترح يؤكدون أن البطولة لا يمكن اختزالها في قيمتها المالية أو التعامل معها باعتبارها أصلًا استثماريًا فحسب. فمن وجهة نظرهم، تمثل كأس العالم الركيزة الأساسية للرسالة التي تأسس عليها فيفا، والمتمثلة في نشر كرة القدم وتطويرها على مستوى العالم.
ويحذر هؤلاء من أن دخول مستثمرين من القطاع الخاص إلى هيكل الملكية التجارية للبطولة قد يُحدث تحولًا في طبيعة العلاقة بين كأس العالم والاتحاد الدولي الذي يتولى تنظيمها والإشراف عليها، بما قد يغير أولويات إدارة البطولة مستقبلًا، ويضع الاعتبارات الاستثمارية والربحية في مواجهة الأهداف الرياضية والتنموية التي طالما شكلت جوهر دور فيفا.
كيف يُدار فيفا؟ يُعد الاتحاد الدولي لكرة القدم، فيفا، الهيئة العالمية المسؤولة عن إدارة وتنظيم كرة القدم، إلى جانب كرة قدم الصالات، وكرة القدم الشاطئية. ويتخذ من مدينة زيورخ السويسرية مقرًا رئيسيًا له، ويعمل وفق أحكام القانون السويسري، فيما يضم تحت مظلته 211 اتحادًا وطنيًا يمثلون دولًا وأقاليم من مختلف أنحاء العالم.
ولا تقتصر مهمة فيفا على تنظيم بطولة كأس العالم، بل تمتد إلى وضع القوانين واللوائح المنظمة للعبة، والإشراف على تطبيقها، وتنظيم البطولات الدولية، فضلًا عن دعم انتشار كرة القدم وتطويرها عالميًا من خلال برامج تنموية، أبرزها برنامج FIFA Forward، الذي يموّل مشروعات تطوير البنية التحتية، وتأهيل المدربين، ورعاية المواهب، وتعزيز قدرات الاتحادات الوطنية.
ويعتمد فيفا في إدارته على مبدأ المساواة بين أعضائه داخل كونغرس فيفا، أعلى سلطة تشريعية في الاتحاد، إذ يمتلك كل اتحاد وطني صوتًا واحدًا عند التصويت، بصرف النظر عن حجمه، أو تاريخه الكروي، أو قوته الاقتصادية. فإسبانيا تمتلك صوتًا واحدًا، تمامًا كما تمتلكه الرأس الأخضر، والأرجنتين لها صوت واحد، كما هو الحال بالنسبة إلى كوراساو.
ويعكس هذا النظام فلسفة فيفا بوصفه هيئة دولية تمثل جميع الاتحادات الوطنية على قدم المساواة، وليس منظمة تمنح الأفضلية للدول الأكثر نفوذًا أو للاتحادات صاحبة الموارد المالية الأكبر.
وتعتمد الميزانية السنوية للاتحاد الدولي بصورة رئيسية على الإيرادات الناتجة عن تنظيم البطولات، وفي مقدمتها كأس العالم، التي تمثل المصدر الأكبر لدخله. وتأتي حقوق البث التلفزيوني في صدارة هذه الإيرادات، تليها عائدات الشراكات التسويقية، واتفاقيات الرعاية، والتراخيص التجارية، وبرامج الضيافة، ثم مبيعات التذاكر.
وخلال كل دورة من كأس العالم، تحقق هذه المصادر مجتمعة إيرادات تُقدّر بمليارات الدولارات. ويؤكد فيفا أن هذه الأموال لا تُوزع على الأعضاء باعتبارها أرباحًا، وإنما تُستخدم في تمويل أنشطة الاتحاد، وتنظيم المسابقات الدولية، ودعم برامج تطوير كرة القدم حول العالم.
ويشمل ذلك المنح التي تُقدَّم عبر برنامج FIFA Forward، والتي تستفيد منها الاتحادات الوطنية في تنفيذ مشروعات تشمل إنشاء وتحديث الملاعب ومراكز التدريب، وتطوير قطاع الناشئين، وتأهيل المدربين والحكام، وتمويل المبادرات الرامية إلى توسيع قاعدة ممارسة كرة القدم.
وقد يثير حجم هذه الإيرادات تساؤلات حول طبيعة فيفا القانونية، خاصة أنه يُصنف باعتباره جمعية غير هادفة للربح بموجب القانون المدني السويسري. لكن هذا التصنيف لا يعني أن المؤسسة لا تحقق إيرادات أو فوائض مالية، بل يعني أن تحقيق الربح ليس الهدف الأساسي الذي أُنشئت من أجله.
وينطبق هذا المبدأ على كثير من المؤسسات غير الربحية حول العالم، مثل الجامعات، التي تتقاضى رسومًا دراسية، أو الجمعيات المهنية، التي تنظم مؤتمرات وتصدر منشورات علمية وتتقاضى اشتراكات من أعضائها. فالعبرة ليست بحجم الأموال التي تحققها المؤسسة، وإنما بكيفية توظيف هذه الأموال والغاية التي تُستخدم من أجلها.
وفي حالة فيفا، ظل وضعه القانوني في سويسرا قائمًا على اعتباره الجهة المسؤولة عن إدارة كرة القدم الدولية وتطويرها، بينما اعتُبر النجاح التجاري الهائل لكأس العالم وسيلة لتمويل هذه الرسالة، وليس الهدف الذي يسعى الاتحاد إلى تحقيقه في حد ذاته. ومن هنا، يرى منتقدو المقترح الجديد أن إدخال مستثمرين من القطاع الخاص إلى قلب المنظومة التجارية للبطولة قد يغيّر هذا التوازن التاريخي، وينقل التركيز تدريجيًا من تمويل تطوير اللعبة إلى تعظيم العوائد الاستثمارية.
ماذا قد يعني المقترح من الناحية الضريبية؟ تمثل كل اتفاقية رعاية، وعقد لبث المباريات، وترخيص تجاري، وبرنامج ضيافة مرتبط ببطولات فيفا، مصدرًا رئيسيًا لتمويل أنشطة الاتحاد وبرامجه حول العالم. ولهذا، فإن المقترح الخاص بإدخال مستثمرين إلى الكيان الذي سيدير هذه الحقوق التجارية لا يُنظر إليه باعتباره مجرد إعادة هيكلة مؤسسية، بل يثير تساؤلات قانونية وضريبية أكثر تعقيدًا.
فعلى مدار سنوات، استند فيفا إلى حقيقة أن النجاح التجاري لكأس العالم ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتمويل رسالته الأساسية المتمثلة في نشر كرة القدم وتطويرها عالميًا. وبعبارة أخرى، كانت الإيرادات الضخمة التي تحققها البطولة تُستخدم لدعم الاتحادات الوطنية، وتمويل مشروعات البنية التحتية، ورعاية المواهب، وتوسيع قاعدة ممارسة اللعبة في مختلف أنحاء العالم.
لكن دخول مستثمرين من القطاع الخاص إلى هذه المنظومة قد يغيّر طبيعة هذا التصور، إذ إن المستثمرين لا يشاركون في مثل هذه الصفقات بدافع دعم كرة القدم أو تمويل برامجها التنموية، وإنما سعياً إلى تحقيق عوائد مالية على استثماراتهم. ومن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط
