مقال د.عبدالله سرور الزعبي. لا تراقبوا مسار الصواريخ.. بل راقبوا مسار الأنابيب

ليست جميع الحروب تُغيّر التاريخ، لكن جميع التحولات الكبرى فيه غيّرت الطرق التي تنتقل عبرها الثروة والطاقة والتجارة. فالإمبراطوريات لا تُبنى على امتلاك الموارد وحده، بل على امتلاك المسارات التي تنقلها؛ فمنذ أن خرج الإنسان الأول باحثًا عن الماء، لم يكن الصراع الحقيقي على المكان، بل على الطريق المؤدي إليه. فالتاريخ، في جوهره، ليس تاريخ الحروب بقدر ما هو تاريخ التحولات الكبرى في شبكات الاتصال بين الحضارات. عندما انتقلت التجارة من طريق الحرير إلى الطرق البحرية، صعدت إمبراطوريات وأفلت أخرى. وعندما افتُتحت قناة السويس عام 1869 بديلًا عن طريق رأس الرجاء الصالح، لم تكن مجرد اختصار للمسافة، بل نقطة أعادت توزيع النفوذ على امتداد العالم. الدرس المتكرر "الثروة تصنع القوة، لكن الطريق الذي تسلكه هو الذي يعيد رسم ميزانها".

وعلى هذا الدرس بالذات يقوم الخطأ الأكبر في قراءة الشرق الأوسط اليوم: اختزاله في أزمات عسكرية وسياسية منفصلة؛ حرب هنا ومفاوضات هناك. فمثل هذه القراءة تفسر الحدث، لا العصر. أما التحولات الكبرى فلا تُقرأ من ضجيج الحروب، بل من البنية التي تولد في ظلها وتبقى لعقود بعد أن يخفت صوت المدافع. وليس المقصود أن كل حرب تُخاض من أجل النفط، فالعلاقات الدولية أعقد من ذلك بكثير؛ لكن الأزمات الكبرى كثيرًا ما تدفع الدول إلى إعادة تصميم شبكاتها وتنويع مساراتها وتقليل اعتمادها على الممرات الأكثر هشاشة، فتصبح الحرب مسرّعًا لتحولات كانت تتشكل أصلًا بفعل الاقتصاد والتكنولوجيا والمنافسة الإستراتيجية قبل اندلاعها. فماذا لو كانت هذه الحروب تخفي تحولًا أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: انتقال العالم من عصرٍ تُقاس فيه القوة بامتلاك الموارد والجيوش، إلى عصرٍ تُقاس فيه بالقدرة على ضمان تدفقها؟

من هذا التحول بالذات يتبدل السؤال الجيوسياسي الأهم: لم يعد من يملك أكبر احتياطي من النفط أو الغاز؟ بل من يضمن استمرار تدفق الطاقة مهما تعقدت الأزمات؟ إنها نقلة من التفكير في الموارد إلى التفكير في التدفقات، ومن الحقول إلى الشبكات، ومن "الجغرافيا التقليدية" إلى "الجغرافيا الشبكية"، حيث تُقاس أهمية الدول بدورها داخل النظام العالمي، لا بمجرد موقعها على الخريطة. وهنا تبرز الحرب الاميركية الايرانية كجزء من مشهد أوسع، لا كتفسير وحيد: فالملف النووي وأمن إسرائيل وتوازنات الردع عوامل حقيقية، لكن السؤال الموازي هو: هل تدفع هذه التحولات العالم إلى تسريع البحث عن منظومة طاقة أقل اعتمادًا على نقاط الاختناق التقليدية؟ سؤال يمتد من هرمز وباب المندب إلى السويس وساحل المتوسط مروراً بالأردن، وهو في جوهره سؤال عن شكل النظام الاقتصادي القادم.

وقد سبق لمفكري الجغرافيا السياسية أن طرحوا نسخهم الخاصة من هذا السؤال، وإن بمفردات كل عصر. فكتب ماكيندر قبل قرن أن السيطرة على "قلب اليابسة" مفتاح القوة العالمية، وأكد ماهان أن البحار مصدر الهيمنة، ثم رأى سبيكمان أن الحواف الساحلية مفتاح التوازن الدولي. أما اليوم فعالم جديد يتشكل، لا تُحتكر فيه القوة بمن يسيطر على البر أو البحر، بل بمن يربط بينهما في شبكة متكاملة. وهنا تكتسب أفكار باراغ هانا أهميتها: لم تعد الحدود وحدها تصنع النفوذ، بل الشبكات التي تعبرها. فإذا بنت روما قوتها على الطرق، وبريطانيا على البحار، وأمريكا على منظومة مالية وتكنولوجية عالمية، فإن قوى هذا القرن قد تُبنى على من يملك أكبر عدد من المسارات وأعلى قدرة على إعادة توجيه التدفقات عند الأزمات. فالعالم لا ينتقل من الجغرافيا إلى اللاجغرافيا، بل من جغرافيا ثابتة إلى جغرافيا متحركة.

ولا يوجد اختبار لهذه الفكرة أوضح من مصير المضائق نفسها. فمنذ تدفق النفط من الخليج في منتصف القرن الماضي، ترسخت مسلّمة، من يسيطر على هرمز يؤثر في الاقتصاد العالمي، فبُنيت العقيدة الأمنية للقوى الكبرى على حماية هرمز وباب المندب والسويس وملقا. لكن التاريخ يعلّم أن القوى الكبرى لا تكتفي بحماية نقاط ضعفها، بل تسعى لتقليل اعتمادها عليها. من هنا سؤال جوهري: هل يتحول العالم من عصر حماية نقاط الاختناق إلى عصر تجاوزها؟ ففي الماضي كان الهدف حماية المضيق، واليوم قد يصبح الهدف تقليل الاعتماد عليه أصلًا. وهذا لا يعني نهاية أهمية هرمز أو باب المندب أو السويس، بل تغيّر قيمتها النسبية مع ظهور شبكات أكثر تنوعًا. اذا كان القرن العشرون قرن الاحتياطيات، فان الحادي والعشرون قرن الشبكات، والمعركة ليست حول من يملك المصدر، بل من يملك القدرة على ربطه بالسوق. ففي الماضي كان السؤال كم برميلًا تنتج، واليوم: كيف يصل هذا البرميل إلى السوق بأقل مخاطرة؟ هنا تصبح الأنابيب أدوات استراتيجية تعيد توزيع الأهمية بين الدول، فالأنبوب لا ينقل النفط فقط، بل ينقل النفوذ.

وإذا كان تقليل الاعتماد على هرمز هو الاتجاه، فالمكان الأكثر ترشيحًا لاستيعاب هذا التحول هو المتوسط. فإذا جعل القرن الماضي الخليج مركز الثقل الأول للطاقة، فالسؤال اليوم: هل ينتقل جزء من هذا الثقل من مناطق الإنتاج إلى مناطق الربط؟ هذا لا يعني تراجع الخليج، بل تغيّر طريقة وصول طاقته إلى الأسواق. وهنا يتزايد الاهتمام بخطوط أنابيب وموانئ متصلة بالبحر المتوسط والأحمر، بما يقلل هشاشة النظام أمام اضطراب أي مسار منفرد؛ فكل برميل يصل إلى المتوسط عبر شبكة برية هو برميل لا يمر بهرمز. ولهذا قد نشهد تسارع في مشاريع الربط الإقليمي في النفط والغاز والكهرباء والهيدروجين، ولكل مشروع دوافعه، لكن الاتجاه العام واحد "شبكة أكثر مرونة". فشرق المتوسط لا يحل محل الخليج، بل يصبح منصة تجميع تلتقي عندها موارد.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
خبرني منذ 7 ساعات
قناة المملكة منذ 19 ساعة
صحيفة الدستور الأردنية منذ 12 ساعة
خبرني منذ 14 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 5 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 12 ساعة
قناة المملكة منذ 7 ساعات
قناة المملكة منذ 14 ساعة