تبريد المدن.. حلول هندسية وطبيعية لمواجهة موجات الحر

فرح عطيات عمان تكتسب موجات الحر مكانة متقدمة بين أكثر التحديات المناخية التي تؤرق المدن ليس حول العالم فقط بل في الأردن كذلك، بعد أن أصبحت درجات الحرارة تسجل حضورها بصورة متكررة خلال السنوات الأخيرة.

ولم يعد تأثير تلك الموجات يقتصر على زيادة الطلب على الطاقة، أو تراجع الراحة الحرارية للسكان، بل امتد الى الصحة العامة، والإنتاجية، والاقتصاد، والبنية التحتية، الأمر الذي دفع بمفهوم "تبريد المدن" الى واجهة السياسات المناخية، والتخطيط الحضري في الأردن وعالمياً.

وفي القديم أعطت بعض المدن دروساً مبتكرة في كيفية التكيف مع المناخ، فاعتمدت على الظل والماء، واتجاهات الرياح، والمواد المحلية في البناء لتوفير بيئات أكثر اعتدالاً للسكان.

أما المدن الحديثة فدفعت أثمان توسعها العمراني السريع مع اتساع المساحات الإسفلتية والخرسانية، وتراجع الغطاء النباتي، الأمر الذي أسهم في احتجاز الحرارة داخلها، ورفع درجاتها مقارنة بالمناطق المحيطة بها، فيما يعرف بـ"ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية".

وسجل الأردن بدوره مؤشرات متنامية على تغير أنماط تغير المناخ خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد عدد موجات الحر، وطول مدتها وارتفاع شدتها.

ويجمع خبراء لـ"الغد" على أن امتلاك الأردن للعديد من الكودات والأنظمة الناظمة للبناء، والتخطيط الحضري يوفر قاعدة مهمة لتعزيز قدرة المدن على مواجهة موجات الحر مستقبلاً.

تزايد ملحوظ بالموجات الحرارية

ورغم أن الأردن لا يصنف من الدول ذات المناخ شديد الحرارة مقارنة بدول أخرى، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت "تزايداً ملحوظاً" في عدد موجات الحر ومدتها، وشدتها نتيجة التغير المناخي، وفق وجهة نظر الخبير في إدارة المدن م. فوزي مسعد.

وشدد مسعد على أن ما يشعر به المواطن داخل المدن غالباً ما يكون أعلى من درجات الحرارة المعلنة، بسبب ظاهرة "الجزر الحرارية الحضرية".

ولفت إلى أن كثافة المباني، وانتشار الأسطح الإسفلتية والخرسانية، وتراجع الغطاء النباتي، وضعف حركة الهواء، تؤدي إلى احتجاز الحرارة داخل المدن، وارتفاعها عدة درجات عن المناطق المحيطة.

ولذلك فإن التعامل مع موجات الحر، في رأيه، لا ينبغي أن يقتصر على "إجراءات مؤقتة" خلال فصل الصيف، وإنما يجب أن يكون "جزءاً" من التخطيط الحضري، وسياسات التنمية المستدامة.

فطريقة تخطيط المدن، وتصميم المباني، وتوزيع الحدائق والساحات العامة، والالتزام بالكودات الهندسية وأنظمة البناء، جميعها عوامل تحدد قدرة المدينة على "مقاومة الحرارة والتكيف مع التغير المناخي"، تبعا له.

إلا أن مسعد يؤكد أن الأردن يمتلك "قاعدة جيدة" من الكودات الهندسية، وأنظمة البناء والتنظيم التي تتضمن متطلبات تتعلق بالتهوية الطبيعية، والعزل الحراري، وكفاءة استخدام الطاقة، وتنظيم استعمالات الأراضي.

لكن المرحلة المقبلة، في نظره، تتطلب تعزيز الالتزام بتطبيق هذه الكودات، وتطويرها باستمرار بما يواكب تحديات التغير المناخي، ويأخذ بعين الاعتبار مفاهيم المرونة المناخية، والجزر الحرارية/ والممرات الهوائية.

وللوصول إلى مدن أكثر قدرة على مواجهة موجات الحر فإن ذلك يبدأ منذ "إعداد المخططات الهيكلية"، وليس "بعد اكتمال البناء"، بحسبه.

فالتخطيط الحضري الحديث، وفق قوله، لم يعد "يهتم فقط" بتوزيع الأراضي والطرق والخدمات، بل أصبح "يدرس" اتجاهات الرياح، وحركة الهواء، والتضاريس، والكثافات العمرانية، وتأثيرها على المناخ المحلي داخل المدينة.

وعدد أهم الإجراءات المطلوبة، بالحفاظ على الممرات الهوائية الطبيعية وعدم إغلاقها بالكتل العمرانية، أو الأبراج، لأن الرياح تمثل وسيلة "التبريد الطبيعية للمدينة".

ودعا إلى توجيه النمو العمراني بما يسمح بتجدد الهواء، والتوسع في إنشاء الحدائق والأحزمة الخضراء، والممرات البيئية، واستخدام مواد بناء تقلل امتصاص الحرارة، وتشجيع الأسطح والجدران الخضراء.

تصميم المباني

ونوه مسعد بأن تصميم المباني "لا يقل أهمية" عن تخطيط المدينة، إذ ينبغي أن "تستفيد" المباني من اتجاهات الرياح السائدة، وأن "تقلل" من تعرض الواجهات الغربية لأشعة الشمس، مع استخدام العزل الحراري، ووسائل التظليل، بما يساهم في خفض درجات الحرارة، وتقليل استهلاك الطاقة.

وهذا الهدف يمكن بلوغه وفق تأكيداته، "فالفرصة ما تزال متاحة" أمام الأردن، لأن النمو العمراني "مستمر"، ويمكن توجيهه بصورة "أكثر استدامة"، فيما يرتبط نجاح ذلك بالنظر إلى المدينة باعتبارها "نظاما بيئيا متكاملا"، وليس "مجرد تجمع من المباني والطرق".

وأجمل التحديات التي تواجه المدن الأردنية بما أسماه "النقص الواضح" في المساحات الخضراء والحدائق، والساحات العامة.

وأضاف أن هذه العناصر ليست "ترفاً عمرانياً"، وإنما تمثل "جزءاً أساسياً" من البنية التحتية البيئية تساهم في التكيف مع آثار التغير المناخي، وتخفض درجات الحرارة، وتحسن جودة الهواء، وتمتص جزءاً من مياه الأمطار، وتوفر متنفساً للسكان، فضلا عن أنها تحد من ظاهرة الجزر الحرارية.

ورغم التحسن الذي شهدته العاصمة عمان خلال السنوات الأخيرة، فإن نصيب الفرد من المساحات الخضراء لا يزال يقدر بنحو 4 إلى 5 أمتار مربعة للفرد وهو، كما وصفه، يعد "أقل بكثير" في مدن أخرى.

وضرب مسعد مثالاً على ذلك بمحافظة الزرقاء التي لا تتجاوز فيها تلك المساحة مترا ونصف المتر المربع، والذي يعد "أقل من الحد الأدنى" الذي تعتمد عليه كثير من "الأدلة التخطيطية الدولية" والبالغ نحو تسعة أمتار مربعة للفرد.

وأشار إلى أن مدنا عديدة تتطلع للوصول من 10 إلى 15 متراً مربعاً للفرد أو أكثر، مع الحرص على توزيع هذه المساحات داخل الأحياء بحيث تكون في متناول السكان سيراً على الأقدام، وليس الاكتفاء بحدائق كبيرة متباعدة.

وحث على ضرورة الاهتمام بالساحات العامة والممرات الخضراء باعتبارها جزءاً من "شبكة حضرية متكاملة" تساعد على تحسين البيئة الحضرية، وتعزيز الترابط الاجتماعي والاقتصادي داخل المدينة.

ولعل الاستعداد الحقيقي لذلك يكمن بحسب مقترحاته في التخطيط "السليم"، و"الالتزام" بالتشريعات الهندسية.

الحفاظ على الممرات الهوائية

وبين مسعد أن إعداد المخططات التنظيمية يجب أن يرافقه المحافظة على الممرات الهوائية، وتخصيص مساحات كافية للحدائق والساحات العامة، وزراعة الأشجار على امتداد الشوارع، وتجنب الكثافات العمرانية التي تعيق حركة الرياح.

كما أن استخدام التقنيات الحديثة، مثل نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي، يمكن أن يساعد في إعداد خرائط للجزر الحرارية داخل المدن، وتحديد المناطق الأكثر تعرضاً للحرارة، وتوجيه مشاريع التشجير والتحسين الحضري إلى المواقع الأكثر احتياجاً، وفقه.

وأما على صعيد السياسات، فإن المطلوب كما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
خبرني منذ 8 ساعات
صحيفة الغد الأردنية منذ 10 ساعات
قناة رؤيا منذ 5 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 14 ساعة
قناة رؤيا منذ ساعة
قناة المملكة منذ 15 ساعة
قناة المملكة منذ 8 ساعات
خبرني منذ 23 ساعة