يقول أصدقائي إن من أبرز عيوبي الستمائة - وربما زاد العدد قليلًا منذ آخر إحصاء -أنني لم أتقن اللغة الإنجليزية. لا أدري لماذا اختاروا عدم إتقاني للإنجليزية من بين كل عيوبي. فلو أردنا الإنصاف، فهناك عيوب أكثر استحقاقًا للاهتمام. لكن يبدو أن الإنسان يستطيع أن يعيش وهو عنيد، أو كسول، أو سيئ التنظيم، أما أن يقول: " تمام... تمام" لأمريكي سأله عن حاله فهذه لا تُغتفر.
درست الإنجليزية سنوات طويلة ضمن المناهج الدراسية، واشتريت كتبًا لتعلمها، وحفظت كلمات كثيرة، ثم نسيتها... تماما. شاهدت الأفلام الأجنبية، واستمعـت إلى الأغاني، وقرأت اللوحات المعلقة في الشوارع، ومررت بمواقف كان ينبغي - وفق أي منطق تربوي - أن تجعلني أتقنها ولو اضطرارا. لكن اللغة الإنجليزية كانت تمر بي كما تمر الرياح فوق صخرة مطمئنة دون أن تترك أثرًا. ربما بقيت بعض الكلمات الصغيرة التي تتشبث بذاكرتي لأسباب غامضة: شكراً. صباح الخير. نعم. لا. ومفردات أخرى لا تصلح غالبًا إلا لطلب الماء أو الاعتذار عن خطأ لم أعرفه. أما الجمل، فكانت كارثة مستقلة.
أبدأ الجملة وأنا أعرف أين أريد الوصول، ثم أفقد الطريق بعد الكلمة الثالثة، فأضطر إلى استعمال الإشارة، ورفع الحاجبين، وتحريك اليدين، والابتسام ابتسامة واسعة لعل الطرف الآخر يفهم أنني إنسان مسالم مهما كان الذي قلته يبدو عدائيًا.
لو كان عدم إتقاني للإنجليزية نابعًا من اعتزازي باللغة العربية، لكان الأمر بطوليًا بعض الشيء، ولكنت الآن أكتب هذا المقال مرتديًا عباءة الفرسان المدافعين عن الضاد. لكن الحقيقة أكثر بساطة. أنا فقط... لم أتعلمها.
أعرف أن هذا التفسير لا يرضي علماء التربية، ولا المدربين الذين يعدونك بإتقان اللغة خلال ثلاثين يومًا، ولا أصحاب المقاطع التي تبدأ بعبارة: (لن تصدق كم هو سهل أن تتحدث الإنجليزية بطلاقة) لكنها الحقيقة. هناك أشياء نظل نقف على أبوابها سنوات، نطرق الباب بحماس في البداية، ثم بخجل، ثم نقنع أنفسنا بأننا في الأصل لم نكن نرغب في الدخول.
كنت أسير ذات صباح في أروقة المدرسة التي أعمل فيها، حين قابلت زميلي الخبير الأمريكي مستر لوغان. رجل لطيف، طويل القامة، دائم الابتسامة، لا يتعمد إحراج أحد، لكنه يرتكب خطأً فادحًا كل صباح... يتحدث الإنجليزية بطلاقة.
قلت في نفسي: لا بد أن أتقدم خطوة. لا يصح أن نظل نتبادل الابتسامات إلى نهاية العالم، اقتربت منه وقلت بثقة: (قود مورننج.) وهذا تقريبًا أقصى إنجاز لغوي أستطيع تحقيقه حتى الآن. أجابني مستر لوغان بتحية الصباح، ثم قال جملة طويلة.
كانت جملة طبيعية على الأرجح، وربما لم تستغرق أكثر من خمس ثوان، لكنها في أذني بدت كخطاب سياسي كامل، يحتوي على مقدمة ونتائج وتوصيات وملاحق سرية. حاولت أن ألتقط كلمة مفهومة وقد نجحت في ذلك، ثم أصابني الشك . هل قال: يوم؟ أم قال: أنت؟ أم قال اسم دولة في أوروبا الشرقية؟ لم يكن لدي وقت للتحليل؛ فقد انتهى الرجل من كلامه، وبدا أنه ينتظر ردًا. وهنا يبدأ ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الإنسان يراجع كل قراراته. فكرت أن أقول: نعم. لكن ماذا لو كان قد سألني عن صحتي؟ أو عن العمل؟ أو عن وجود حريق في المبنى؟ هل يصح أن ترد على كل هذا بنعم؟ فكرت أن أقول: لا. لكن ماذا لو كان قد تمنى لي يومًا سعيدًا؟ سيبدو الرد قاسيًا إلى حد غير مبرر.
لذلك لجأت إلى ذخيرة الطوارئ العربية. ابتسمت وقلت: (تمام... تمام) خرجت الكلمتان مني بنبرة رجل يريد طمأنة طبيب أو موظف جوازات أو أحد أقاربه القلقين. نظر إليّ مستر لوغان لحظة. أظن أنه فهم من نظراتي ما لم أفهمه من كلامه.
ابتسم ابتسامة مشجعة، وهز رأسه، ثم مضى. وبقيت واقفًا أفكر في هذا الحوار القصير الذي لم يحدث في الحقيقة. هو قال شيئًا. وأنا قلت شيئًا آخر. ومع ذلك افترقنا ونحن راضيان نسبيًا. وربما كانت هذه هي أكثر المحادثات البشرية نجاحا؛ لأن كُلًّا منا خرج منها دون أن يضطر إلى فهم الآخر.
تمنيت حينها لو أن البشر يتكلمون لغة واحدة. ليس رغبة مني في إلغاء الثقافات أو سحق الهويات أو إغلاق أقسام اللغات في الجامعات. كنت أريد فقط أن أفهم ما قاله مستر لوغان. وبقي السؤال يلح عليّ بعد ذلك: لماذا تعددت اللغات أصلًا؟
أعرف أن العلماء لديهم إجابات كثيرة: الجغرافيا، والهجرات، والعزلة، وتطور الجماعات، واختلاف البيئات، وتحول الأصوات عبر القرون. كل هذا جميل ومقنع. لكن الإنسان حين يقف عاجزًا أمام جملة قصيرة لا يهتم كثيرًا بنظريات نشأة اللغات. يصبح أكثر بدائية. يريد لغة واحدة، واضحة، لا تحتاج إلى معجم، ولا إلى قواعد، ولا إلى أزمنة أفعال تجعل الماضي البسيط أكثر تعقيدًا من المستقبل كله.
فكرت أن الرسم ربما كان الحل. الرسم لغة عالمية، كما يقال. ترسم قلبًا، فيفهم الناس أنك تتحدث عن الحب. ترسم دمعة، فيفهمون أنك حزين. ترسم دجاجة مشوية، فيدركون أنك جائع، إلا إذا كنت رسامًا نباتيًا يريد إدانة أكل اللحوم، وعندها يصبح الأمر معقدًا من جديد.
لكن حتى الرسم نفسه لم يعد بهذه البراءة. كان الطفل قديمًا يرسم شمسًا في زاوية الورقة، وبيتًا يخرج من مدخنته دخان، وأبًا وأمًا يمسكان بيد طفل صغير. تفهم اللوحة في ثوان. هناك أسرة. وهذا بيتها. وهذا يوم مشمس.
لكن الفن الحديث قرر أن فهم اللوحة إهانة للفنان. قد تدخل معرضًا فترى قماشًا كبيرًا في وسطه بقعة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
