يتصاعد التنافس بين الجزائر والمغرب على إنشاء ممر جديد لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا، في وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليص اعتماده على الإمدادات الروسية. لكن هذا السباق يواجه معادلة اقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد إنشاء خطوط أنابيب جديدة، إذ ترتبط جدوى المشروعين بقدرة نيجيريا على زيادة إنتاجها التجاري، وباتجاهات الطلب الأوروبي، وبقدرة الخطين على جذب التمويل والمشترين في سوق تتزايد فيه المنافسة بين موردي الغاز.
تأتي هذه المنافسة في مرحلة تشهد تحولاً في سوق الطاقة العالمي، مع توسع تجارة الغاز الطبيعي المسال، وارتفاع الاستثمارات في مشروعات التصدير الجديدة، إلى جانب استمرار أوروبا في إعادة هيكلة مزيج الطاقة لديها. وفي ظل هذه المتغيرات، يبرز التساؤل حول ما إذا كان السوق قادراً على استيعاب مشروعين عملاقين يعتمدان على المصدر نفسه للإمدادات؟.
بعد سنوات من الجفاء.. الطاقة تعيد العلاقة بين الجزائر وإسبانيا
تفاصيل خطي الأنابيب.. المشروع الجزائري مقابل المغربي
يقوم المشروع الجزائري، «خط أنابيب الغاز العابر للصحراء» (TSGP)، على نقل الغاز من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر بطول يقارب 4100 كيلومتر، وتكلفة تقدر بنحو 13 مليار دولار، وبطاقة تصميمية تبلغ 30 مليار متر مكعب سنوياً.
في المقابل، يراهن المغرب على «خط أنابيب الغاز الأفريقي الأطلسي» (AAGP)، الذي يمتد لنحو 6800 كيلومتر بمحاذاة الساحل الغربي لإفريقيا وصولاً إلى المغرب قبل ربطه بأوروبا، بكلفة تقدر بنحو 26 مليار دولار، وبالطاقة التصميمية نفسها البالغة 30 مليار متر مكعب سنوياً.
ورغم اختلاف مساري المشروعين، فإنهما يعتمدان على المصدر نفسه، وهو الغاز النيجيري، ما يجعل المنافسة تبدأ من المنبع قبل الوصول إلى السوق الأوروبي.
ولا يقتصر التنافس على البعد التجاري، بل يرتبط أيضاً بالسعي إلى ترسيخ موقع كل من الجزائر والمغرب كممر رئيسي للطاقة بين إفريقيا وأوروبا. ويأتي ذلك بعد توقف العمل بخط أنابيب «المغرب العربي-أوروبا» عام 2021، إثر قرار الجزائر وقف ضخ الغاز عبر الأراضي المغربية، لتتجه كل دولة إلى تطوير مسار مستقل للوصول إلى الأسواق الأوروبية.
مصفاة دانغوت للنفط في لاغوس، نيجيريا، 20 يوليو 2024
قدرة نيجيريا الإنتاجية هل تملك طاقة غازية تكفي المشروعين؟
تمتلك نيجيريا أكبر احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي في إفريقيا، إلا أن التحدي لا يتعلق بحجم الاحتياطيات بقدر ما يرتبط بقدرتها على تحويلها إلى إنتاج تجاري قابل للتصدير.
وتظهر بيانات «لجنة تنظيم قطاع البترول النيجيرية» (NUPRC) أن إجمالي إنتاج الغاز بلغ نحو 7.93 مليار قدم مكعبة يومياً خلال مايو الماضي، إلا أن جزءاً من هذه الكميات يعاد حقنه في الحقول النفطية أو يحرق أو يستهلك محلياً. وتقدر «الهيئة النيجيرية لتنظيم قطاع النفط والغاز في مرحلتي النقل والتوزيع» (NMDPRA) الكميات القابلة للتسويق بما يتراوح بين 4.5 و5.5 مليار قدم مكعبة يومياً فقط، وهو ما يقلص حجم الإمدادات المتاحة للتصدير.
وتحتاج كل من خطوط الأنابيب المقترحة إلى نحو 2.9 مليار قدم مكعبة يومياً عند التشغيل بكامل طاقتها، ما يعني أن تشغيل المشروعين معاً يتطلب نحو 5.8 مليار قدم مكعبة يومياً، وهو مستوى يقترب من إجمالي الإنتاج التجاري الحالي، فضلاً عن أن هذه الكميات تنافس استخدامات قائمة تشمل صادرات الغاز الطبيعي المسال، وإمدادات السوق المحلي، وخط أنابيب غرب إفريقيا.
ولا تعتمد جدوى المشروعين على الاحتياطيات وحدها، بل على قدرة نيجيريا على زيادة إنتاج الغاز القابل للتسويق عبر تطوير حقول جديدة، وتوسيع شبكات التجميع ومحطات المعالجة، بما يوفر إمدادات مستقرة بعقود طويلة الأجل. وتستهدف «الخطة الرئيسية للغاز في نيجيريا» (Nigeria Gas Master Plan) رفع الإنتاج إلى 10 مليارات قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2027، ثم إلى 12 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2030، إلا أن تحقيق هذه المستهدفات يبقى مرتبطاً بوتيرة تنفيذ الاستثمارات في قطاع المنبع والبنية التحتية.
الطلب الأوروبي على الغاز وتحديات التنافس العالمي
حتى إذا نجحت نيجيريا في زيادة إنتاجها، فإن مستقبل المشروعين مرتبط أيضاً بتطور الطلب الأوروبي على الغاز خلال العقد المقبل.
فبحسب «وكالة الطاقة الدولية» (IEA)، يتجه استهلاك الغاز في أوروبا إلى الانخفاض تدريجياً مع التوسع في استخدام الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، بينما يزداد الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال، الذي يمنح المستوردين مرونة أكبر مقارنة بخطوط الأنابيب طويلة الأجل.
ويتوقع «معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي» (IEEFA) تراجع الطلب الأوروبي على الغاز بنحو 14% بحلول عام 2030، في وقت تواصل فيه الدول الأوروبية الاستثمار في محطات استقبال الغاز الطبيعي المسال، بما يتيح لها تنويع مصادر الإمدادات دون الارتباط بمشروعات تمتد لعقود.
وتزداد الضغوط على المشروعين مع احتدام المنافسة بين موردي الغاز إلى أوروبا. فوفق بيانات «يوروستات» (Eurostat)، تصدرت النرويج قائمة موردي الغاز إلى الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025، تلتها الولايات المتحدة، فيما حافظت الجزائر على موقعها بين أكبر موردي الغاز عبر الأنابيب، إلى جانب روسيا وقطر.
كما تمضي «قطر للطاقة» في تنفيذ توسعة حقل الشمال، التي سترفع الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال إلى 142 مليون طن سنوياً بحلول نهاية العقد، في حين تواصل الولايات المتحدة إضافة طاقات تصديرية جديدة. وفي ظل هذا المشهد، سيواجه الغاز النيجيري منافسة مباشرة مع إمدادات راسخة في السوق الأوروبي، وليس فراغاً في المعروض.
مركز صناعي عالمي.. هل يصبح المغرب جسراً بين الصين والأسواق الغربية؟
مقارنة المزايا التشغيلية.. البنية التحتية الجزائرية ومرونة المغرب
رغم استهداف المشروعين للسوق نفسه، فإن لكل منهما نقطة انطلاق مختلفة. فالجزائر تمتلك بالفعل شبكة تصدير متكاملة تضم خطي «ترانسميد» (TransMed) إلى إيطاليا و«ميدغاز» (Medgaz) إلى إسبانيا، إضافة إلى محطات لإسالة الغاز، ما يمنحها أفضلية تتمثل في إمكانية استيعاب أي كميات إضافية من الغاز النيجيري ضمن بنية تحتية قائمة. كما شرعت شركة «سوناطراك» (Sonatrach) في تنفيذ الجزء الجزائري من المشروع، بينما يبقى استكمال المقطع المار عبر النيجر مرتبطاً بتأمين التمويل وتحسن الظروف الأمنية.
أما المغرب، فيعتمد في تنفيذ مشروعه على مراحل، بما يسمح لكل جزء بالعمل بصورة مستقلة قبل اكتمال الربط مع أوروبا. وقد اعتمدت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا» (ECOWAS) الاتفاق الحكومي المنظم للمشروع، إلا أن استكماله لا يزال مرهوناً بتوفير التمويل وإبرام عقود شراء طويلة الأجل تغطي الاستثمارات المطلوبة.
الأسواق الإفريقية الإقليمية.. هل تعوض تراجع الطلب في أوروبا؟
بينما يستهدف المشروعان في الأساس السوق الأوروبي، فإن نمو الطلب داخل إفريقيا قد يغير معادلة الجدوى الاقتصادية.
فدول غرب إفريقيا تشهد توسعاً في الطلب على الكهرباء والغاز المستخدم في الصناعات والأسمدة، ما يفتح المجال أمام استخدام أجزاء من خطوط الأنابيب لتلبية احتياجات الأسواق الإقليمية، حتى قبل اكتمال الربط مع أوروبا.
وتشير تقديرات «وود ماكنزي» (Wood Mackenzie) إلى دخول موجة كبيرة من مشروعات الغاز الطبيعي المسال الجديدة إلى الأسواق العالمية خلال النصف الثاني من العقد الحالي، تقودها الولايات المتحدة وقطر، وهو ما يرجح زيادة المعروض العالمي ويضغط على الأسعار. ويعني ذلك أن تمويل خطوط الأنابيب الجديدة سيعتمد بصورة متزايدة على وجود عقود بيع طويلة الأجل وأسواق قادرة على استيعاب الإمدادات.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

