المال «المسكوب» في بثوث التطبيقات.. من المستفيد؟. خبراء لـ«عكاظ»: دوافع نفسية واجتماعية وقانونية خلف إنفاق الملايين في البث المباشر. للاطلاع على

تشهد المنصات الرقمية تحوّلاً متسارعاً في طبيعة العلاقة بين الجمهور وصنّاع المحتوى، إذ لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ يكتفي بالمشاهدة والتعليق، بل أصبح طرفاً فاعلاً يشارك في دعم صانع المحتوى مالياً، في ظاهرة تعيد تشكيل مفهوم التفاعل في العالم الافتراضي.

ولا يقتصر هذا الدعم على التعبير عن الإعجاب أو التقدير، بل قد يتحوّل إلى وسيلة لإثبات الانتماء وبناء علاقة رمزية مع صانع المحتوى، تتجاوز حدود الشاشة لتلامس مشاعر الولاء والاعتراف المتبادل. ويثير ذلك تساؤلات حول الدوافع النفسية والاجتماعية وراء هذا الإنفاق، ومدى تأثير الروابط الرقمية في القرارات المالية وسلوك الأفراد.

وفي المقابل، أصبح الدعم المالي مصدر دخل مهماً لبعض صنّاع المحتوى، ما يدفعهم إلى ابتكار أساليب أكثر جذباً للجمهور وتعزيز التفاعل، وهو ما يفتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين التفاعل المشروع والتأثير العاطفي الذي قد يدفع بعض المستخدمين إلى إنفاق غير رشيد.

وتفرض هذه التحوّلات الحاجة إلى وعي أكبر بطبيعة العلاقات الرقمية، وإلى إطار أخلاقي يوازن بين حق صانع المحتوى في تحقيق العائد من إنتاجه، وحق المستخدم في بيئة رقمية تحميه من الاستغلال أو الانزلاق إلى أنماط إنفاق تتجاوز قدراته.

وتكشف الظاهرة في جوهرها عن تحوّل الجمهور إلى قوة اقتصادية مؤثرة داخل اقتصاد المنصات، وعن نشوء أنماط جديدة من العلاقات الرقمية تستدعي قراءة متكاملة من منظور علم النفس الاجتماعي وسلوك المستهلك والاقتصاد الرقمي، إلى جانب تعزيز الوعي والمسؤولية في التعامل مع هذه المساحات.

متخصص في السوشال ميديا: منظومة غامضة وآليات غير معلنة!

أوضح الإعلامي والمتخصص في محتوى السوشال ميديا فواز المالحي لـ«عكاظ»: أن عملية الدعم المالي عبر تطبيقات البث، وخصوصاً «تيك توك»، لا تبدو بالبساطة التي يتصورها البعض، بل تحكمها آليات غير واضحة، وربما موجهة عبر شبكات معينة من الوكلاء أو الجهات التسويقية. ويشير إلى أن وجود حسابات تمتلك أعداداً كبيرة من المتابعين دون تحقيق أي عوائد مالية يطرح تساؤلات حقيقية حول عدالة التوزيع وآلية الوصول إلى الدعم.

ويضيف أن الإجابات التي يقدمها بعض المشاهير غالباً ما تختزل الموضوع في «محبة الجمهور»، وهو تفسير لا يكفي لفهم تدفقات مالية كبيرة في ظل غياب محتوى معرفي أو إنتاج فكري واضح لدى بعضهم. ويرى أن غياب الشفافية في شرح آليات الربح يعزز حالة الغموض، ويستدعي طرح تساؤلات مشروعة من باب الفهم لا الاتهام.

ومن زاوية تحليلية، يلفت المالحي، إلى تساؤلات متزايدة حول كيفية انتقال الأموال من عملات افتراضية داخل التطبيق إلى حسابات بنكية فعلية، وكيف تمر هذه التدفقات الكبيرة دون إثارة تساؤلات رقابية، مؤكداً أن هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات رسمية وآليات واضحة.

كما يشير إلى أن بعض البثوث تشهد استفزازاً متعمداً للجمهور، يتبعه تصعيد قانوني ضد المنتقدين، ما يفتح نقاشاً حول دور الجهات التنظيمية في ضبط هذا التفاعل، ومنع تحوّل المنصات إلى ساحات نزاعات قانونية. ويؤكد أن الظهور في البث المباشر يضع صاحبه في دائرة النقد، ما يستوجب تحمل جزء من المسؤولية، مع إمكانية تطوير آليات تنظيمية أكثر وضوحاً للشكاوى.

ويخلص إلى أن البثوث ليست ظاهرة بريئة بالكامل ولا مدانة بشكل مطلق، لكنها تعكس تحوّلاً في العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، حيث أصبح المشاهد ممولاً مباشراً، في علاقة تقوم على تبادل التأثير والضغط النفسي المتبادل.

بيئة خصبة لجرائم اجتماعية ونفسية ومالية

عن المخاطر المحتملة مثل غسل الأموال والاستغلال، أكد المستشار في التواصل الثقافي والإعلامي الدكتور أنمار حامد مطاوع لـ«عكاظ»: أن المخاطر المرتبطة بالبثوث المباشرة لم تعد مجرد احتمالات، بل أصبحت واقعاً موثقاً، حيث خلقت هذه المنصات بيئة خصبة لثلاثة أنواع من الجرائم: اجتماعية، ونفسية، ومالية.

وأوضح أن هذه الجرائم تشمل إيذاءً جسدياً، وتنمراً جماعياً، وضغطاً نفسياً، إضافة إلى استغلال الهدايا الرقمية في عمليات غسل الأموال عبر حسابات متعددة. كما أشار إلى اعتراف بعض المنصات بوجود ثغرات في أنظمة التحقق المالي.

ويرى أن الإعلام العربي تعامل مع الظاهرة بشكل سطحي، إما عبر استثمار شهرة صنّاع المحتوى أو مهاجمتهم، دون تقديم تحليل علمي يفسر أسباب انجذاب الجمهور لهذا النوع من البثوث.

ويستعرض الدكتور مطاوع، دراسات حديثة تشير إلى أن الدعم المالي أصبح وسيلة لبناء المكانة الاجتماعية داخل المجتمع الرقمي، حيث يسعى الأفراد للظهور والاعتراف، بينما يتعرّض صانع المحتوى لضغط نفسي يدفعه أحياناً إلى سلوكيات خطرة.

كما يشير إلى حوادث مأساوية مرتبطة بالبثوث المباشرة، تؤكد خطورة الضغط الجماهيري، حيث يتحول المشاهد من متلقٍ إلى شاهد على مآسٍ حقيقية، في مشهد يعكس خللاً عميقاً في طبيعة التفاعل.

ويختتم بالتأكيد على أن البث المباشر أصبح منظومة ضغط نفسي واجتماعي واقتصادي معقدة، تتطلب تدخلاً إعلامياً توعوياً جاداً.

الإطار القانوني واضح.. والمخالفة مرتبطة بالسلوك

أكّدت المحامية عهد فهد لـ«عكاظ»: أن الأموال المدفوعة في البثوث المباشرة تخضع في المملكة لأطر تنظيمية متعددة تضبط التعاملات المالية والسلوكيات الرقمية. ولا تأتي هذه التعاملات ضمن نظام مستقل، بل ضمن منظومة متكاملة تشمل أنظمة الاحتيال المالي والجرائم المعلوماتية والتجارة الإلكترونية، إلى جانب تعليمات البنك المركزي السعودي وسياسات المنصات الرقمية.

وأوضحت أن الدعم في البثوث يعد سلوكاً مشروعاً متى كان اختيارياً وواضحاً، لكنه قد يكتسب وصفاً غير مشروع إذا ارتبط بالتضليل أو الادعاءات غير الصحيحة، أو استغلال مشاعر المتابعين، أو الإيحاء بوجود مقابل غير حقيقي، أو الضغط المتكرر الذي يوحي بالإلزام. وقد يندرج ذلك تحت توصيفات مثل الاحتيال المالي أو الكسب غير المشروع، بحسب كل حالة.

وأضافت، أن المنصات الرقمية تتحمّل دوراً تنظيمياً من خلال وضع السياسات وتوفير أدوات الإبلاغ واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين. إلا أن المسؤولية الأساسية تبقى على مقدم المحتوى عند ثبوت المخالفة.

وأشارت إلى أن توصيف التسول الإلكتروني لا ينطبق على جميع حالات الدعم، بل يرتبط بطبيعة السلوك. فإذا كان قائماً على الاستعطاف المضلل أو طلب المال دون مقابل، فقد يخضع للأنظمة ذات العلاقة.

ولفتت إلى أن الجهات المختصة تواصل تطوير الأطر التنظيمية ومواكبة التحوّلات الرقمية بما يعزز الشفافية ويحمي المستخدمين ويرفع مستوى الثقة في البيئة الرقمية.

تحوّل في القيم.. ومفهوم الكسب

يرى الأخصائي الاجتماعي عبدالمحسن مشاري الحنان أن ظاهرة الدعم في البثوث المباشرة تعكس تحوّلاً جزئياً في القيم الاجتماعية، إذ انتقل التقدير من الإنتاج المادي والعمل المباشر إلى الحضور الرقمي والتأثير الشخصي. وأصبحت عناصر التفاعل والترفيه والظهور تحظى بمقابل مالي، وهو ما يشير إلى إعادة تشكيل مفهوم القيمة داخل المجتمع.

وأوضح الحنان لـ«عكاظ»: أن الآراء تتباين حول توصيف هذه الممارسات؛ فهناك من يرى أن طلب الدعم بشكل مباشر ومتكرر دون تقديم محتوى حقيقي يقترب من مفهوم التسول الإلكتروني، فيما يرى آخرون أنه نموذج اقتصادي مشروع يقوم على ما يعرف باقتصاد.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عكاظ

منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
صحيفة سبق منذ 5 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ ساعتين
صحيفة عكاظ منذ 7 ساعات
صحيفة عاجل منذ 23 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 17 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 23 ساعة
صحيفة سبق منذ 4 ساعات