في وقت تتجه فيه صناعة السيارات والنقل نحو البطاريات والمحركات الكهربائية، جاءت مركبة بطول يقارب عشرة أمتار لتعيد محرك الاحتراق إلى الواجهة بطريقة غير متوقعة. JCB Hydromax لا تعمل بالبنزين أو الديزل، ولا تستخدم خلية وقود لتحويل الهيدروجين إلى كهرباء، بل تحرق الهيدروجين داخل محرك احتراق داخلي، وتمكنت في أغسطس 2026 من تحطيم رقمين قياسيين للسرعة خلال أيام قليلة على مسطحات بونفيل الملحية في ولاية يوتا الأميركية. الإنجاز لا يعني أن محركات الهيدروجين أصبحت جاهزة لمنافسة السيارات الكهربائية على الطرق، لكنه يقدم تجربة هندسية متطرفة لسؤال أكبر: هل يستطيع الهيدروجين منح محرك الاحتراق دوراً جديداً في عالم يسعى إلى التخلص من الوقود الأحفوري؟
الرقم الأول.. 368 ميلاً في الساعة
بدأت JCB أسبوعها القياسي في Bonneville Speed Week، حيث دخلت Hydromax منافسات Southern California Timing Association المعروفة اختصاراً بـSCTA. هناك سجلت السيارة رقماً أميركياً جديداً بلغ متوسطه 368.347 ميلاً/ساعة، أي نحو 592.8 كم/س، لتصبح أول سيارة بمحرك احتراق يعمل بالهيدروجين تخوض محاولة من هذا النوع ضمن سجلات SCTA في الولايات المتحدة. لكن هذا الإنجاز لم يكن الهدف النهائي. فقد كانت JCB تستعد للمحاولة الأكبر: تحطيم الرقم العالمي المعترف به من الاتحاد الدولي للسيارات FIA لمركبة تعمل بمحرك احتراق داخلي بالهيدروجين.
دوكاتي تتخلى عن سباق الأحصنة.. دراجة Panigale V2 تراهن على الوزن
الرقم الثاني.. حاجز 400 ميل/ساعة يسقط
في 11 أغسطس، عادت Hydromax إلى مسطحات بونفيل تحت إشراف FIA. ووفق متطلبات تسجيل الرقم، كان على السيارة إجراء جولتين في اتجاهين متعاكسين، ليُحتسب متوسط السرعتين. سجلت Hydromax 400.623 ميل/ساعة، نحو 644.7 كم/س في الجولة الأولى، ثم رفعت السرعة إلى 412.135 ميل/ساعة، نحو 663.3 كم/س في الثانية. وكانت النتيجة متوسطاً بلغ 406.320 ميل/ساعة، أو 653.909 كم/س، لتسجل معياراً عالمياً جديداً لمركبة تعمل بمحرك احتراق داخلي بالهيدروجين. وتجاوز الرقم بفارق هائل معيار BMW H2R البالغ 185.5 ميلاً/ساعة والمسجل عام 2004. ولم تتفوق Hydromax على سيارات الاحتراق بالهيدروجين فقط، فالسرعة تجاوزت أيضاً حاجز 303 أميال/ساعة المسجل لمركبة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين، ما جعل JCB تصف Hydromax بأنها أسرع مركبة تعمل بالهيدروجين من أي نوع. رقمان قياسيان خلال أيام إذن، لكن القصة الأكثر أهمية تبدأ عندما ننظر إلى ما يوجد داخل السيارة.
فريق JCB يحتفل بالرقم القياسي لـHydromax.
محركان و1600 حصان.. لكن الجذور في حفارة
يبلغ طول Hydromax نحو 32 قدماً، أي 9.75 متر تقريباً، وتستخدم محركين يعملان بالهيدروجين، يصل كل منهما إلى 800 حصان، بإجمالي يبلغ 1600 حصان. لكن المثير أن المحرك لم يبدأ حياته كوحدة مصممة خصيصاً لتحطيم أرقام السرعة. فالمشروع يعتمد على محرك JCB الهيدروجيني الإنتاجي المستخدم في معدات الشركة الصناعية. وعملت شركة Ricardo على تطويره بصورة جذرية، لترفع قوته من 74 إلى 800 حصان، مع خفض وزنه بنحو 100 كيلوغرام، فيما جرى تطوير Hydromax خلال أكثر قليلاً من 15 شهراًِ بمشاركة JCB وRicardo وProdrive وشركاء آخرين. وشملت التعديلات مضاعفة سرعة دوران المحرك تقريباً، واعتماد تجهيزات أكثر تطوراً للتحكم بالصمامات والحقن والتبريد، إضافة إلى تهيئة المحرك للعمل في وضعية تخدم الديناميكا الهوائية للسيارة. وهنا تظهر الرسالة التي تريد JCB إيصالها: التقنية التي حققت الرقم القياسي ليست منفصلة تماماً عن المحركات التي تريد الشركة استخدامها في المعدات الثقيلة.
Andy Green.. من حاجز الصوت إلى الهيدروجين
اختيار السائق لم يكن تفصيلًا عابراً أيضاً. فالبريطاني Andy Green هو صاحب الرقم القياسي المطلق للسرعة على الأرض، بعدما قاد ThrustSSC عام 1997 إلى سرعة تجاوزت 763 ميلاً/ساعة، ليصبح أول شخص يكسر حاجز الصوت على الأرض. كما سبق له قيادة JCB Dieselmax عام 2006 إلى رقم قياسي لمحركات الديزل بلغ 350.092 ميلاً/ساعة. وبعد عشرين عاماً تقريباً، عاد مع JCB إلى بونفيل، لكن الوقود هذه المرة لم يكن الديزل، بل الهيدروجين. والرمزية هنا واضحة: الشركة التي استخدمت السرعة سابقاً لإظهار إمكانات محرك الديزل، تستخدمها اليوم لعرض تصورها لما قد يأتي بعده.
سيارات تخسر أقل عند البيع.. ما الذي يحدد الاحتفاظ بالقيمة؟
ليست سيارة خلية وقود
لفهم أهمية المشروع، يجب التفريق بين طريقتين مختلفتين تماماً لاستخدام الهيدروجين في المركبات. في سيارة Fuel Cell، لا يُحرق الهيدروجين داخل الأسطوانات. بل يدخل في تفاعل كهروكيميائي يولد الكهرباء، التي تشغل بدورها محركاً كهربائياً. أما Hydromax، فتحتفظ بالمبدأ الأساسي لمحرك الاحتراق: يدخل الهيدروجين إلى المحرك ويُحرق داخل الأسطوانات لتوليد القوة الميكانيكية. وهذا تحديداً ما تراهن عليه JCB في المعدات الثقيلة. فالشركة استثمرت أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني في تطوير محركات ومعدات تعمل بالهيدروجين، وانتقلت بالفعل من النماذج التجريبية إلى إطلاق حفارة 3CX Hydrogen بمحرك بقدرة 55 كيلوواط، مع اعتماد أوروبي للمحرك للاستخدام في المعدات المتنقلة غير المخصصة للطرق. وبالتالي، Hydromax ليست المشروع الهيدروجيني الوحيد للشركة، بل واجهة شديدة التطرف لاستراتيجية صناعية أوسع.
لماذا يتمسك محرك الاحتراق بالهيدروجين؟
محرك الاحتراق ليس مجرد قطعة ميكانيكية. خلفه أكثر من قرن من الخبرة الهندسية، ومصانع وموردون وفنيون وشبكات صيانة وسلاسل توريد ضخمة. ومن هنا تأتي إحدى الحجج لصالح الاحتراق بالهيدروجين: إمكانية الاحتفاظ بجزء من المعرفة والبنية الصناعية القائمة، بدل إعادة بناء منظومة الدفع بالكامل حول البطاريات والمحركات الكهربائية. وتصبح هذه الفكرة أكثر أهمية في المعدات الثقيلة. فالحفارة أو المعدة الإنشائية قد تعمل لساعات طويلة في مواقع بعيدة، ويعني توقفها عن العمل خسارة إنتاجية مباشرة. وهنا تدخل سرعة التزود بالطاقة، ومدة التشغيل، ووزن البطارية وحجمها ضمن الحسابات الاقتصادية، وليس الهندسية فقط. لكن هذا لا يعني أن الهيدروجين أرخص تلقائياً أو أكثر كفاءة من البطاريات.
المعادلة الاقتصادية.. أين يمكن للهيدروجين أن ينجح؟
هذه ربما تكون المعركة الحقيقية لمحركات الهيدروجين، وهي أكثر تعقيداً من الوصول إلى 654 كم/س. من جهة، تراهن JCB على أن الاحتفاظ بمحرك احتراق يمكن أن يقلل حجم التحول الصناعي المطلوب في بعض تطبيقات المعدات الثقيلة، ويحافظ على جزء من عمليات التصنيع والصيانة والخبرة الموجودة بالفعل. كما أن التزود السريع بالهيدروجين يمكن أن يكون ذا قيمة اقتصادية عندما تكون ساعة توقف المعدة نفسها مكلفة. والشركة لا تتعامل مع المشروع باعتباره تجربة نظرية فقط، فقد استثمرت أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني في التقنية، وأطلقت 3CX Hydrogen كمنتج إنتاجي مع خيارات تأجير وتشغيل، ما يكشف أن الرهان يستهدف سوق المعدات وليس مجرد الأرقام القياسية. لكن الجهة الأخرى من المعادلة أكثر صعوبة. فالهيدروجين يجب إنتاجه، ثم ضغطه أو تخزينه ونقله وتوزيعه، وكل مرحلة تضيف تكلفة وفقداً للطاقة. كما يتطلب الانتشار التجاري بنية تحتية للتزود بالوقود، وهي أقل توافراً بكثير من شبكات الكهرباء أو الوقود التقليدي. وهذا يجعل المقارنة مع البطاريات مختلفة من تطبيق إلى آخر. ففي سيارة ركاب يمكن شحنها في المنزل وتقطع مسافات يومية محدودة، قد يكون استخدام الكهرباء مباشرة أكثر منطقية. أما في معدات ثقيلة تعمل بكثافة عالية وفي بيئة يصعب فيها استخدام بطاريات ضخمة أو الانتظار طويلًا للشحن، فقد تتغير الحسابات. لذلك لا تكمن الفرصة الاقتصادية للهيدروجين في هزيمة البطارية في كل مكان، بل في إيجاد التطبيقات التي تصبح فيها قيود البطارية مكلفة بما يكفي لتبرير حل آخر.
الشاحنات تسبق السيارات.. ثورة القيادة الذاتية قد تبدأ من الطرق السريعة
654 كم/س كرسالة تجارية أيضاً.
وهناك جانب اقتصادي وتسويقي آخر لا ينبغي تجاهله. فبناء Hydromax وتحطيم الأرقام القياسية لا يخفضان مباشرة تكلفة الهيدروجين ولا يبنيان محطات للتزود به، لكنهما يمنحان JCB منصة عالمية لعرض التقنية أمام العملاء والمستثمرين والجهات التنظيمية وصناعة المعدات. الرقم القياسي هنا يعمل كنوع من البرهان الهندسي تحت ظروف قصوى: محرك يستند إلى تقنية إنتاجية استطاع، بعد تطويره، العمل بقوة هائلة وتحمل متطلبات سرعة تتجاوز 650 كم/س. لكن يجب وضع ذلك في حدوده الصحيحة أيضاً. نجاح محرك في مركبة قياسية لا يثبت وحده جدواه الاقتصادية في موقع بناء، كما أن الأداء المتطرف لا يعالج تكلفة الوقود أو البنية التحتية. إنه يثبت إمكانات الهندسة، بينما يبقى السوق هو الذي سيختبر إمكانات الاقتصاد.
الهيدروجين لا يلغي مشكلة الانبعاثات بالكامل
هناك أيضاً سبب يدعو إلى الحذر عند وصف الاحتراق بالهيدروجين بأنه "عديم الانبعاثات". الهيدروجين لا يحتوي على الكربون، ولذلك لا ينتج احتراقه ثاني أكسيد الكربون الناتج مباشرة من احتراق الوقود بالطريقة نفسها التي يفعلها البنزين أو الديزل. لكن الاحتراق عند درجات حرارة مرتفعة يمكن أن يؤدي إلى تكوين أكاسيد النيتروجين NOx من النيتروجين والأكسجين الموجودين في الهواء. وهذا يعني أن محرك الهيدروجين يحتاج بدوره إلى إدارة عملية الاحتراق والانبعاثات. وتؤكد وزارة الطاقة الأميركية أن احتراق الهيدروجين يمكن أن ينتج NOx، بخلاف خلية الوقود التي لا تعتمد على عملية احتراق. وهناك سؤال بيئي أكبر يبدأ قبل وصول الوقود إلى السيارة: كيف أُنتج الهيدروجين؟ فإذا أُنتج باستخدام مصادر أحفورية عالية الانبعاثات، تختلف بصمته الكربونية جذرياً عن هيدروجين أُنتج باستخدام كهرباء منخفضة الكربون. ولهذا لا يمكن تقييم استدامة محرك الهيدروجين بالنظر إلى أنبوب العادم وحده، يجب النظر إلى دورة الطاقة كاملة من الإنتاج إلى الاستخدام.
لماذا لا تصبح كل السيارات هيدروجينية إذن؟
لأن ما يناسب حفارة أو شاحنة أو معدة صناعية لا يناسب بالضرورة سيارة ركاب. السيارات الكهربائية بالبطاريات تمتلك ميزة مهمة: الكهرباء تنتقل من الشبكة إلى البطارية ثم إلى المحرك عبر سلسلة طاقة أبسط نسبياً. أما الهيدروجين فيحتاج إلى إنتاج وتجهيز وتخزين ونقل قبل استخدامه، ثم يجب تحويل طاقته مرة أخرى داخل المركبة. ولهذا قد تكون المنافسة المستقبلية أقل شمولاً مما تبدو عليه. بدل السؤال: هل يفوز الهيدروجين أم البطارية؟ قد يكون السؤال الأدق: أين يكون كل منهما أكثر منطقية؟ البطاريات قد تستمر في الهيمنة على قطاعات واسعة من سيارات الركاب، بينما يبحث الهيدروجين عن فرصة في المعدات الثقيلة والنقل وبعض التطبيقات التي يكون فيها الوزن ووقت التوقف والتزود السريع بالطاقة عوامل حاسمة.
من البنزين إلى الكهرباء.. بطارية 12 فولت ترفض الاختفاء
654 كم/س لا تعني أن سيارة الهيدروجين قادمة غداً
Hydromax ليست نموذجاً أولياً لسيارة إنتاج مستقبلية، ولا ينبغي قراءة رقمها القياسي باعتباره دليلًا على أن محرك الهيدروجين سيتفوق على السيارة الكهربائية. فالسيارة صُممت لمهمة واحدة شديدة التخصص: تحقيق أعلى سرعة ممكنة على مسطحات بونفيل. لكن قيمة المشروع تقع في مكان آخر. لقد أخذت JCB تقنية تطورها أساساً للمعدات الثقيلة ودفعتها إلى حدود متطرفة لإظهار قدرتها على إنتاج أداء هائل والعمل تحت ضغط استثنائي، بالتوازي مع استثمار تجاري حقيقي في محركات ومعدات الهيدروجين. وبالتالي، فإن السؤال ليس ما إذا كنا سنقود قريبًا سيارات ركاب بمحركات هيدروجين بقوة 1600 حصان، بل ما إذا كانت التقنية تستطيع إيجاد قطاعات تكون فيها مزاياها التشغيلية والاقتصادية أكبر من عيوبها.
محرك الاحتراق يبحث عن وقود جديد
بعد أكثر من قرن من الاعتماد على البنزين والديزل، يواجه محرك الاحتراق أكبر تحول في تاريخه، بينما تتقدم البطاريات والمحركات الكهربائية بسرعة، خصوصاً في سيارات الركاب. لكن JCB تراهن على فكرة مختلفة: نهاية الوقود الأحفوري لا تعني بالضرورة نهاية الاحتراق نفسه. ولهذا فإن أهم ما حققته Hydromax في بونفيل قد لا يكون الرقم 653.909 كم/س وحده، رغم ضخامته، ولا حقيقة أنها حطمت رقمين قياسيين خلال أيام. الأهم أنها قدمت استعراضاً هندسياً لفكرة يمكن تلخيصها ببساطة: يمكن تغيير الوقود مع الإبقاء على مبدأ الاحتراق.
لكن نجاح هذه الفكرة خارج مسطحات الملح لن تحسمه القوة الحصانية ولا السرعة القصوى. سيحسمه سؤال أكثر واقعية: هل يمكن إنتاج الهيدروجين وتوزيعه واستخدامه بتكلفة وكفاءة وبصمة كربونية تجعل محرك الاحتراق بالهيدروجين منطقياً اقتصادياً؟ إذا كانت الإجابة نعم في بعض القطاعات، فلن يكون الهيدروجين بديلاً شاملاً للكهرباء، بل مساراً موازياً في التطبيقات التي يحتاج فيها السوق إلى حل مختلف. وعندها قد لا يُذكر رقم 654 كم/س باعتباره مجرد إنجاز على مسطحات بونفيل، بل كواحدة من اللحظات التي حاول فيها محرك الاحتراق إثبات أن مستقبله قد يعتمد على تغيير ما يحترق داخله، لا التخلي عن الاحتراق بالكامل.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

