تفتح مصر مساراً جديداً أمام المستثمرين للحصول على الأراضي الصناعية، في محاولة لتخفيف أحد أعباء تأسيس المصانع، عبر نظام «التأجير التمليكي» الذي يتيح تأجيل شراء الأرض إلى ما بعد بدء التشغيل، بدلاً من استنزاف جزء من رأس المال في مرحلة تسبق الإنتاج.
ويمنح النظام المستثمر فترة تصل إلى 21 عاماً لاستئجار الأرض، مقابل 5% من قيمتها سنوياً، مع إمكانية الانتقال إلى التملك بعد تشغيل المصنع، بما يسمح بتوجيه حصة أكبر من السيولة في السنوات الأولى إلى الإنشاءات والآلات وخطوط الإنتاج ورأس المال العامل.
لكن الرهان يتجاوز تخفيف تكلفة الحصول على الأرض. فنجاح النظام في تسريع التصنيع يرتبط بقدرته على تقليص الفترة بين تخصيص الأرض وبدء الإنتاج، خصوصاً مع سعي الحكومة إلى زيادة المعروض من الأراضي المرفقة واسترداد الأصول غير المستغلة، في وقت يعتمد فيه الجزء الأكبر من الاستثمار الصناعي المستهدف على القطاع الخاص.
2.5 مليار دولار استثمارات صينية جديدة في مصر منذ بداية العام
آلية «التأجير التمليكي» وتحويل الأراضي إلى التزام مؤجل
يتيح النظام الجديد، بحسب وزارة الصناعة المصرية، استئجار الأراضي الصناعية لفترات تتراوح بين سبعة و21 عاماً، مقابل إيجار سنوي يعادل 5% من قيمة الأرض.
وبعد عام من التشغيل الفعلي، يستطيع المستثمر التقدم لشراء الأرض، مع خصم الإيجارات التي سبق سدادها من قيمتها، ثم دفع 25% من الرصيد المتبقي وتقسيط الباقي على ثلاثة أعوام. أما في حال استمرار التأجير، فيعاد تقييم القيمة الإيجارية بعد العامين السابع والرابع عشر.
وبذلك، يعيد النظام توزيع التكلفة الرأسمالية للمشروع زمنياً، عبر نقل جزء من الإنفاق على الأرض من مرحلة التأسيس إلى مرحلة يكون فيها المصنع قد دخل بالفعل في دورة الإنتاج.
يأتي ذلك امتداداً لتحركات أوسع لتوفير بدائل أكثر مرونة للحصول على الأراضي الصناعية. وسبق لوزارة الصناعة أن أتاحت الأراضي بنظامي التملك وحق الانتفاع، وحددت المقابل السنوي للأخير عند 5% من سعر متر التملك، مع طرح الأراضي بأسعار تعكس التكلفة الفعلية للمرافق.
وتكتسب هذه المرونة أهمية في ظل اعتماد خطط التوسع الصناعي بدرجة كبيرة على رأس المال الخاص. وتستهدف خطة العام المالي 2025/2026 استثمارات بنحو 252.8 مليار جنيه في الصناعات التحويلية، يستحوذ القطاع الخاص على أكثر من 83% منها، مقابل نحو 17% للاستثمارات العامة، وفق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
العقار المصري.. نمو مبيعات هش مدفوع بالأسعار لا بالطلب
ربط تخصيص الأراضي بالتشغيل الفعلي وتسريع الإنتاج
لا تقتصر معادلة الأراضي الصناعية على تكلفة الحصول عليها، إذ تسعى الحكومة بالتوازي إلى رفع كفاءة استخدام الأراضي التي سبق تخصيصها ومنع بقائها خارج النشاط الإنتاجي.
وفي يونيو، بدأت هيئة التنمية الصناعية حملة موسعة لسحب الأراضي والوحدات الصناعية من المستثمرين الذين تجاوزوا البرامج الزمنية أو خالفوا شروط التخصيص، وبدأت الإجراءات في مدينتي العاشر من رمضان وبدر.
وربطت الهيئة الحملة صراحة بالحد من الاحتفاظ بالأراضي الصناعية دون استغلال لأغراض المضاربة، وإعادة توجيه الأصول الصناعية إلى مشروعات قادرة على استغلالها إنتاجياً.
ويتقاطع «التأجير التمليكي» مع هذا التوجه، إذ لا يمنح المستثمر حق شراء الأرض فور تخصيصها، وإنما يربط الانتقال إلى الملكية بمرور عام على التشغيل الفعلي للمصنع.
وتزداد أهمية ربط تخصيص الأراضي بالتشغيل مع ارتفاع مستهدفات القطاع الصناعي، إذ تستهدف خطة 2025/2026 زيادة قيمة الإنتاج الصناعي بنسبة 19% إلى 6.8 تريليون جنيه، مقابل 5.7 تريليون جنيه متوقعة في العام السابق، ورفع الناتج الصناعي بالنسبة نفسها إلى نحو 2.9 تريليون جنيه من 2.4 تريليون جنيه.
وبذلك، لا يصبح حجم الأراضي المخصصة المؤشر الأهم لنجاح السياسة الصناعية، بقدر سرعة تحول هذه الأراضي إلى مصانع تضيف طاقات إنتاجية جديدة.
طرح الأراضي المرفقة عبر «منصة مصر الصناعية الرقمية»
يتزامن تغيير آليات السداد مع زيادة المعروض من الأراضي الجاهزة للاستثمار. ففي يونيو، طرحت «هيئة التنمية الصناعية» 400 قطعة أرض صناعية مرفقة، بإجمالي مساحة تقارب 900 ألف متر مربع، موزعة على 24 منطقة صناعية في 15 محافظة.
وتراوحت مساحة القطعة الواحدة بين 300 و22 ألف متر مربع، فيما خصصت الهيئة للمرة الأولى أجزاء من الطرح لمنتجات محددة تستهدف توطين الصناعات المغذية وتقليص الفجوات الاستيرادية في سلاسل التوريد.
ويمثل ذلك امتداداً لسياسة توسع أسرع في طرح الأراضي الصناعية. ففي يونيو 2025، طرحت وزارة الصناعة 1800 قطعة مكتملة المرافق في 20 محافظة، بإجمالي مساحة تجاوزت 9 ملايين متر مربع، مع إعلان توجه لطرح الأراضي بصورة دورية كل ثلاثة أشهر عبر «منصة مصر الصناعية الرقمية».
وتضيف جاهزية المرافق بعداً مهماً إلى جدوى «التأجير التمليكي». فخفض المبلغ المطلوب للحصول على الأرض يحقق أثراً أكبر عندما تكون القطعة جاهزة لبدء المشروع، بما يسمح بتوجيه السيولة التي وفرها المستثمر إلى الأصول الإنتاجية بدلاً من انتظار استكمال البنية التحتية.
وزير العمل المصري لـ«إرم بزنس»: قواعد جديدة لتنظيم القطاع الخاص
تحديات التمويل وتكلفة التأسيس الإجمالية للمصانع
مع ذلك، لا يحسم خفض تكلفة الأرض قرار الاستثمار الصناعي بمفرده. فإقامة المصنع تتطلب إلى جانب الأرض تمويل الإنشاءات والآلات وخطوط الإنتاج والمخزون والسيولة اللازمة لتغطية التشغيل قبل بدء الإيرادات.
وهنا تظهر حدود «التأجير التمليكي». فهو يعالج توقيت أحد بنود التكلفة الرأسمالية ولا يخفض بالضرورة التكلفة الإجمالية للمشروع، كما لا يعالج منفرداً تكلفة التمويل أو احتياجات الشركات من رأس المال العامل.
وتكتسب هذه المسألة وزناً أكبر مع ضخامة الاستثمارات المطلوبة لتحقيق مستهدفات الصناعة. فإجمالي استثمارات الصناعات التحويلية المستهدفة يبلغ 252.8 مليار جنيه خلال 2025/2026، بزيادة سنوية تبلغ 154%، وفق وزارة التخطيط.
في المقابل، تستهدف الخطة وصول الإنتاج الصناعي إلى 6.8 تريليون جنيه والناتج الصناعي إلى 2.9 تريليون جنيه، ما يضع سرعة تنفيذ الاستثمارات وتحويلها إلى طاقات إنتاجية في صلب المعادلة، وليس مجرد توفير الأراضي.
ومن هنا، سيكون الاختبار الحقيقي لنظام «التأجير التمليكي» هو مدى قدرته على اختصار الطريق بين تخصيص الأرض وبدء الإنتاج. فإذا ساعد تأجيل كلفة التملك على توجيه السيولة نحو بناء المصنع وتجهيزه، بالتزامن مع توفير الأراضي المرفقة والتمويل، يمكن للنظام أن يدعم تسريع الاستثمار الصناعي. أما من دون ذلك، فسيبقى أداة لتسهيل الحصول على الأرض أكثر منه محركاً مستقلاً للتصنيع.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
