لماذا تراهن السعودية على الثروة الحيوانية في تنزانيا؟

تتجه السعودية إلى توسيع نطاق استثماراتها الغذائية الخارجية، مع دخول قطاع الثروة الحيوانية في تنزانيا دائرة اهتمام الشركات في المملكة، في تحرك يمنحها منفذاً إلى واحدة من أكبر القواعد الحيوانية في إفريقيا، ويفتح أمامها فرصاً استثمارية جديدة في شرق القارة ضمن مساعي تنويع مصادر الغذاء والإمدادات.

ولا يتوقف الاهتمام عند تجارة اللحوم والحيوانات الحية، إذ تمتد الفرص التي يجري استكشافها إلى حلقات أعلى قيمة في سلسلة الإنتاج، تشمل التسمين والأعلاف وتجهيز اللحوم والتبريد والتخزين والنقل والتصدير. ويطرح ذلك نموذجاً يتجاوز العلاقة التقليدية بين المستورد والمورد إلى الاستثمار المباشر في قدرات إنتاجية وتصنيعية مرتبطة بسوق الغذاء.

وجاءت أحدث التحركات في 20 أغسطس، مع زيارة وفد من «مجلس الأعمال السعودي-التنزاني» منشأة لتجهيز اللحوم في منطقة موروغورو، لتقييم فرص الاستثمار والتجارة في القطاع، ضمن تحركات أوسع تستهدف قطاعات الثروة الحيوانية والزراعة والتعدين والطاقة.

السعودية.. تراجع فائض الميزان التجاري في يونيو 10% بضغط هبوط الصادرات

الاستراتيجية السعودية لتأمين الأمن الغذائي

يتزامن التحرك مع سياسة سعودية تقوم على مسارين متوازيين للأمن الغذائي: زيادة الطاقة الإنتاجية محلياً، وتنويع مصادر الإمداد والاستثمار خارج المملكة في القطاعات التي لا يزال الطلب فيها يتجاوز الإنتاج المحلي.

وبحسب بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة لعام 2026، بلغ معدل الاكتفاء الذاتي في المملكة 62% من اللحوم الحمراء و72% من لحوم الدواجن، فيما يصل إنتاج اللحوم الحمراء إلى نحو 293 ألف طن سنوياً. وتظهر هذه المستويات استمرار الحاجة إلى الإمدادات الخارجية بالتوازي مع زيادة الطاقة الإنتاجية المحلية.

وتفسر هذه المعادلة جانباً من الاهتمام بالاستثمار الخارجي. فزيادة الإنتاج المحلي تبقى أولوية، لكن توسيع قاعدة الإمدادات يمنح السوق مرونة أكبر ويحد من تركز مصادر التوريد، فيما تضع المملكة الاستثمار الزراعي الخارجي ضمن الأدوات المرتبطة بتعزيز أمنها الغذائي.

في الوقت نفسه، تستمر الاستثمارات داخل المملكة. فقد طرحت الوزارة خلال العام الحالي فرصاً جديدة في قطاع الثروة الحيوانية، بينها مشروع لتربية وتسمين وإنتاج اللحوم الحمراء في منطقة حائل على مساحة أربعة ملايين متر مربع، بهدف دعم القطاع والمساهمة في رفع الاكتفاء الذاتي.

أكبر مصدري اللحوم في العالم

الاستثمار في سلسلة القيمة الكاملة للحوم

تنبع أهمية تنزانيا بالنسبة إلى الشركات السعودية من إمكانية الاستثمار في أكثر من حلقة ضمن سلسلة إنتاج اللحوم، وليس من حجم ثروتها الحيوانية وحده.

فالدخول في مشاريع الأعلاف والتسمين والمسالخ والتجهيز والتعبئة والتخزين المبرد والنقل يتيح توزيع الاستثمار والعائد على أنشطة مترابطة، ويمنح الشركات قدرة أكبر على إدارة الكلفة والجودة والإمدادات مقارنة بنموذج يقتصر على شراء المنتج النهائي من الأسواق الدولية.

كما يرفع التصنيع من القيمة الاقتصادية التي يمكن استخلاصها من القطاع. فإلى جانب اللحوم، تفتح الجلود والمنتجات الثانوية والخدمات اللوجستية والتخزين مجالات إضافية للإيرادات، ما يجعل الاستثمار في سلسلة متكاملة أكثر اتساعاً من نشاط الاستيراد والتوزيع وحده.

وهذا تحديداً ما يميز التحرك الأخير؛ إذ استهدفت زيارة منشأة تجهيز اللحوم في موروغورو تقييم فرص زيادة الإنتاج والقيمة المضافة والوصول إلى الأسواق الدولية، بما يشير إلى اهتمام استثماري بالمراحل التي تسبق وصول المنتج إلى السوق النهائي.

واقع واردات اللحوم السعودية من شرق إفريقيا

لا تبدأ الشركات السعودية من سوق غير مرتبط بالمملكة تجارياً، إذ تمتلك شرق إفريقيا بالفعل حضوراً في واردات اللحوم السعودية، خصوصاً لحوم الماعز.

ووفق أحدث بيانات التجارة الدولية المكتملة، بلغت واردات السعودية من لحوم الماعز الطازجة والمبردة والمجمدة نحو 28.35 مليون دولار في 2024، وجاءت كينيا في صدارة الموردين بقيمة 13.48 مليون دولار، تلتها إثيوبيا بنحو 9.45 مليون دولار، بينما بلغت الواردات المسجلة من تنزانيا نحو 2.2 مليون دولار. واستحوذت الدول الأفريقية الثلاث بذلك على نحو 89% من إجمالي واردات المملكة في هذه الفئة.

وتمنح هذه الخريطة التحرك نحو تنزانيا دلالة اقتصادية مختلفة. فشرق إفريقيا ليست منطقة جديدة على سوق اللحوم السعودية، لكن الاستثمار المباشر يمكن أن ينقل العلاقة من شراء الإمدادات الجاهزة إلى المشاركة في تطوير الطاقة الإنتاجية والتصنيعية في بلد المنشأ.

إيرادات الدواجن والألبان ترفع أرباح «المراعي» السعودية 8% بالربع الـ3

العوائد الاقتصادية للاستثمار الغذائي المباشر

بالنسبة إلى الشركات السعودية، تتسع الجدوى المحتملة كلما انتقل الاستثمار من نشاط تجاري منفرد إلى نموذج متكامل يستفيد من القيمة الاقتصادية للقطاع في مختلف مراحل الإنتاج والتصنيع والتوزيع، بما يتيح تنويع مصادر الإيرادات وتحسين كفاءة التشغيل وتعظيم العائد على رأس المال المستثمر.

ويتيح هذا النموذج كذلك توجيه الإنتاج إلى أكثر من سوق. فالمشروع الذي يقام في شرق إفريقيا لا يحتاج إلى الاعتماد حصراً على التصدير إلى السعودية، وإنما يمكنه خدمة أسواق المنطقة والأسواق الخليجية الأخرى، وهو ما يوسع قاعدة الطلب التي تستند إليها قرارات الاستثمار.

وتبرز أهمية هذه المرونة في قطاع تتأثر ربحيته بتكاليف الأعلاف والنقل والتبريد وحجم التشغيل. فكلما اتسعت الأسواق النهائية أمام المشروع، زادت قدرته على تشغيل الأصول بكفاءة وتوزيع تكاليفها على أحجام إنتاج أكبر.

السعودية تبرم اتفاقية مع بنك أميركي بـ15 مليار دولار لتسهيل شراء السلع

مستقبل التوسع الاستثماري السعودي في تنزانيا

بهذا المعنى، لا تتمثل الفرصة أمام الشركات السعودية في إضافة مورد جديد للحوم فحسب، وإنما في إمكانية بناء أصول إنتاجية وتصنيعية في سوق يمتلك قاعدة حيوانية كبيرة واتصالاً تجارياً قائماً مع الخليج.

وتمنح شرق إفريقيا هذا الاستثمار بعداً إضافياً، إذ تجمع بين الموارد الحيوانية وسوق إقليمي واسع، ما يتيح للمشاريع المحتملة خدمة الطلب الأفريقي بالتوازي مع التصدير إلى أسواق الخليج، ويحد من اعتماد جدواها التجارية على وجهة نهائية واحدة.

ويبقى انتقال الفرص التي يجري استكشافها حالياً إلى مشاريع فعلية هو العامل الذي سيحدد ما إذا كانت تنزانيا ستتحول من سوق واعدة للتوريد إلى وجهة للاستثمار الغذائي السعودي في شرق إفريقيا.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 22 دقيقة
منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 19 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 14 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات