كان ماكس برودي في الثانية عشرة من عمره حين ضربت صاعقة قرب مسقط رأسه في كيلونا بمقاطعة بريتيش كولومبيا، لتشعل حريق غابات هائلاً عجز ألف رجل إطفاء وأسطول من طائرات إخماد الحرائق عن احتوائه.
ومع امتلاء السماء بالرماد الساخن، تسلّق الصبي سلماً، وسارع لمساعدة والده في تثبيت خراطيم المياه على سطح المنزل لإبقائه مبللاً. نجا المنزل، لكن 33 ألف شخص، بينهم برودي، تم إجلاءهم من المنطقة خلال حريق عام 2003.
بعد 15 عاماً، كان برودي يعيش في سان فرانسيسكو، ويفكر في خطوته التالية بعدما باع شركته الناشئة الثانية للبرمجيات، حين اندلع حريق هائل آخر على بُعد 180 ميلاً شمالاً .
التهمت النيران مدينة بارادايس في كاليفورنيا، وحوّلتها إلى رماد، وأودت بحياة 85 شخصاً، لتعيد إلى برودي ذكرى الحريق الذي طارد طفولته.
يقول: "كان لسان حالي أن شيئاً لم يتغير"... لكن بعدها، عرف تماماً ما سيفعله.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة عصر النار في العام التالي، أسس برودي مع شريكين شركة "رين إندستريز" (Rain Industries) التي تهدف إلى تطوير برمجيات تمكّن طائرة ذاتية القيادة من رصد الحريق وإخماده قبل أن تتسع رقعته.
وبعد أربع سنوات من البحث والتطوير وجولتين من التمويل، تعاونت "رين" مع وحدة "سيكورسكي" (Sikorsky) التابعة لشركة "لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin)، أكبر شركة للصناعات الدفاعية في العالم، لتحويل مروحية "بلاك هوك" إلى آلة ذاتية القيادة لمكافحة الحرائق، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحقيق ما يسعى إليه رجال الإطفاء منذ زمن: الوصول إلى الحريق وإخماده بأسرع ما يمكن.
يقول براين فينيسي، قائد الإطفاء المخضرم الذي عُيّن في يناير لقيادة "خدمة حرائق الغابات الأميركية" المستحدثة: "التكنولوجيا تتطور بسرعة، ونحن في أمسّ الحاجة إليها".
في هذه الأيام، يبدو أحياناً وكأن الأرض نفسها تشتعل. فعلى بُعد 20 ميلاً فقط من منزل طفولة برودي، شهدت المنطقة مطلع هذا الشهر عملية إجلاء جماعي جديدة، بعدما أجبرت حرائق التهمت مساحات شاسعة من الغابات 20 ألف شخص على الفرار. وفي أنحاء أميركا الشمالية، باتت بعض الحرائق المشتعلة تتجاوز مساحتها 100 ألف فدان.
يضيف فينيسي: "في السابق، كان حريق بهذا الحجم حدثاً قد تواجهه مرة واحدة طوال مسيرتك المهنية. أما اليوم، فأنا أواجه أربعة منها في الوقت نفسه".
ولوصف حقبة يزداد فيها العالم سخونة، صاغ ستيفن باين، المؤرخ البيئي المتخصص في الحرائق، مصطلح "عصر النار" (Pyrocene). ويقول: "الإنسان كائن النار. تلك مكانتنا في سلسلة الوجود، ونحن لا نحسن التعامل مع ذلك".
سباق تكنولوجي لإخماد الحرائق مع اشتداد حرارة المناخ وتزايد حرائق الغابات وتفاقم حدتها، تتدفق مئات الملايين من الدولارات إلى ابتكار وسائل جديدة لمواجهتها. وبحسب مارك نيماير من "رابطة قادة الإطفاء في المناطق الغربية"، دخلت 660 شركة تكنولوجية مجال مكافحة الحرائق خلال أقل من عقد، حاملة معها طيفاً واسعاً من الاستراتيجيات.
تابع أيضاً: دخان حرائق كندا يغطي واشنطن
ففي العام الماضي، أطلقت جامعة هارفارد منطاداً مزوداً بأجهزة استشعار إلى طبقة الستراتوسفير، يقول باحثوها إنه يرصد حرائق الغابات ويتتبعها بدقة أكبر من الأقمار الاصطناعية. وفي ألمانيا، طورت شركة ناشئة أجهزة استشعار إلكترونية تعمل بالطاقة الشمسية، قادرة على التقاط الغازات المنبعثة من الحريق لحظة اندلاعه في الغابة، حتى قبل أن يصبح الدخان الصادر عنه مرئياً.
ولا يزال كثير من هذه التقنيات في طور التطوير، لكن بعضها تجاوز مرحلة التجارب وأصبح جاهزاً للاستخدام من جانب الشركات التي ابتكرته.
ومن بين التقنيات التي أصبحت جاهزة للاستخدام طائرة مسيّرة طورتها "أمور فاتي إندستريز" (Amor Fati Industries)، وهي شركة روبوتات مقرها سوساليتو في كاليفورنيا وتعمل تحت اسم "سينيكا" (Seneca). تزن المسيّرة رباعية المراوح 400 رطل وتعمل ذاتياً، وستكون "منطقة أسبن للحماية من الحرائق" في كولورادو أول من يستخدمها، بدءاً من هذا الشهر.
يمكن للمسيّرة شق طريقها بمفردها أو التحكم بها عبر جهاز لوحي أو هاتف محمول، فيما تستعين بكاميرات الأشعة تحت الحمراء والذكاء الاصطناعي لرصد البؤر الساخنة، قبل استهدافها برغوة الإطفاء عبر مدفع عالي الضغط.
ويتوقع آندي فيشر، نائب قائد "منطقة أسبن للحماية من الحرائق"، أن تثبت هذه المسيّرات فائدتها خصوصاً على المنحدرات الجبلية الوعرة وفي الأماكن التي يصعب على فرق الإطفاء الوصول إليها. وقال "ما لدينا اليوم هو برنامج في مراحله الأولى. عندما تصل المسيّرات، سنبدأ التدريب عليها في الأراضي المستوية، ثم ننتقل إلى تضاريس أقرب إلى تلك التي نجدها في قلب جبال الروكي".
اخماد الحرائق من دون ماء تَعِد تقنية جديدة أخرى بإخماد الحرائق عبر قطع إمدادات الأكسجين عنها. إذ تستخدم شركة "إنكانديوم إنيشيتف" (Incaendium Initiative) التي تعمل تحت اسم "سونيك فاير تك" (Sonic Fire Tech)، مولداً صوتياً يضخ موجات تحت صوتية منخفضة التردد داخل المبنى عبر قنوات مخفية في السقف، بمجرد أن يرصد النظام اندلاع حريق.
تجعل هذه الموجات جزيئات الأكسجين تهتز، فتحول دون قدرة النار على استهلاك هذا الغاز الضروري لاستمرار الاحتراق. وطُورت التقنية استناداً إلى مبادئ اكتُشفت في وكالة الفضاء الأميركية "ناسا".
صحيح أن تركيبها أعلى تكلفة من أنظمة رش المياه، لكنها لا تعتمد على إمدادات المياه التي قد تتعطل وقت الحاجة إليها، كما حدث خلال حريق إيتون في مقاطعة لوس أنجلوس العام الماضي.
وكانت كارثة إيتون نفسها هي التي قادت ريمنغتون هوتشكيس، رئيس قسم التسويق التجاري في "سونيك"، إلى عالم مكافحة الحرائق. فحين اندفعت نيران هدّارة من الجبال، قذفت الجمر في كل اتجاه، سارع إلى مساعدة أقاربه على إخلاء منزلهم في ألتادينا. وقد ترك مشهد الدمار أثراً عميقاً في داخله.
تابع أيضاً: اليونان.. إخلاء 3 قرى بسبب حرائق الغابات
يقول: "كنت قد بعت منزلاً هناك قبل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ
