أشعل السباق المحموم لتطوير الذكاء الاصطناعي تفاؤلاً واسعاً بما يحمله من ابتكارات جديدة في العلوم والطب، وقدرته على تعزيز الإنتاجية ودفع نمو اقتصادي هائل. غير أن هذا السباق أثار في المقابل مخاوف من أن تقضي التكنولوجيا على ملايين الوظائف، ولا سيما وظائف ذوي الياقات البيضاء، وأن تزيد تركّز الثروة.
حذّر جيفري هينتون، الذي يُوصف غالباً بأنه "الأب الروحي للذكاء الاصطناعي"، من أن هذه التكنولوجيا ربما تحل قريباً محل الكثير من الوظائف المعرفية. وردّد مسؤولون بارزون في وول ستريت تحذيرات مماثلة، من بينهم جيمي ديمون من "جيه بي مورغان تشيس آند كو" (JPMorgan Chase Co)، وجين فريزر من "سيتي غروب" (Citigroup)، فيما نبّه أليكس كارب من "بالانتير تكنولوجيز" (Palantir Technologies) إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم عدم المساواة في الثروة.
وتصاعد القلق العام بالتزامن مع هذه التحذيرات، إذ أظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث (Pew Research Center) هذا العام أن ما يقارب نصف البالغين في الولايات المتحدة يشعرون "بقلق بالغ" إزاء دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد.
كما يرى اقتصاديون مثل جوزيف شومبيتر أن الثورات التكنولوجية السابقة أوجدت في النهاية وظائف تفوق ما قضت عليه. لكن المخاوف الراهنة تنبع من احتمال أن يكسر الذكاء الاصطناعي هذه القاعدة، بعدما امتدت قدرته على الأتمتة من العمل البدني إلى العمل الفكري.
في ظل ذلك، يتسع نطاق الدعوات بين الاقتصاديين والمديرين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا وصُناع السياسات، رغم اختلاف توجهاتهم الأيديولوجية، إلى تبني برامج تحدّ من أسوأ تداعيات إحلال الذكاء الاصطناعي محل العمال، وتتفادى رد فعل مجتمعي ضد الجهات المرشحة لجني الحصة الأكبر من أرباحه.
وحتى الآن، لم يكن للذكاء الاصطناعي أثر ملموس في معدلات البطالة بمعظم الدول، لكن خطر فقدان الوظائف يطول العمال في جميع أنحاء العالم. وربما يكون الضغط لإيجاد حلول أشد في الولايات المتحدة، حيث تقل سخاء إعانات البطالة مقارنة بالكثير من الدول الغنية الأخرى.
وفيما يلي عرض لأبرز البرامج المقترحة لتعويض تداعيات فقدان الوظائف الناجم عن الذكاء الاصطناعي.
توزيعات أرباح الذكاء الاصطناعي بموجب هذا الإطار، يحصل المواطنون مباشرةً على جزء من الثروة التي تولدها شركات الذكاء الاصطناعي. ويستند المؤيدون إلى أن هذه التكنولوجيا تدربت على بيانات أسهم الجمهور في توفيرها، ومن ثم يحق له الحصول على نصيب من المكاسب الناتجة عنها.
ويرى بعض مؤيدي برنامج توزيعات الأرباح أن تمويله يمكن أن يأتي من إعادة توزيع أرباح شركات الذكاء الاصطناعي أو إيراداتها عبر فرض ضريبة. ففي مايو، اقترح كيم يونغ بيوم، كبير مستشاري السياسات الرئاسية في كوريا الجنوبية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، توزيع "أرباح للمواطنين" تمولها ضرائب على الذكاء الاصطناعي، ما أثار اضطراباً في سوق الأسهم الكورية. وأوضح كيم لاحقاً أن مقترحه كان يستهدف الاستفادة من "الإيرادات الضريبية الإضافية" الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وليس فرض ضرائب جديدة على الشركات.
قد يهمك: "الخطيئة الأصلية" للذكاء الاصطناعي مكتوبة في صميم تدريبه
في الوقت الراهن، تحقق شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة أرباحاً محدودة، وربما تظل بلا أرباح لسنوات، رغم اتساع نطاق استخدام التكنولوجيا حول العالم. وإذا استمر هذا الوضع، فقد لا تكون الحكومات مستعدة لفرض ضرائب كبيرة على قطاع يتكبد خسائر، حتى لو أُلغيت الكثير من الوظائف.
في المقابل، وصلت تقييمات هذه الشركات إلى مستويات هائلة. وطرح السيناتور عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز بديلاً عن إعادة توزيع جزء من الأرباح أو الإيرادات على الجمهور عبر الضرائب، يتمثل في منح المواطنين حصة ملكية مباشرة في "أنثروبيك" (Anthropic PBC) و"أوبن إيه آي" (OpenAI) وغيرها من عمالقة الذكاء الاصطناعي، من خلال صندوق ثروة سيادي.
وكتب ساندرز أن هذا النموذج سيتيح للمواطنين العاديين الاستفادة مباشرةً من ارتفاع قيمة هذه الشركات، مضيفاً: "إذا واصلت شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى النمو بالسرعة التي يتوقعها الكثير من المحللين، فإن قيمة صندوق الثروة السيادي سترتفع أيضاً".
كما دعت "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" إلى تبني فكرة مماثلة. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الأميركيين يمكنهم الاستفادة من نجاح الذكاء الاصطناعي عبر امتلاك الحكومة حصصاً في شركات التكنولوجيا. وأضاف في يونيو: "إذا فعلنا ذلك، فسيصبح الجمهور ثرياً للغاية".
الدخل الأساسي المضمون يُعد تطبيق برنامج للدخل الأساسي من أبرز التدخلات المطروحة إذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى تقليص عدد الوظائف، إذ يقوم على تقديم مدفوعات نقدية مباشرة إلى المواطنين بتمويل من خزائن الحكومات.
وخلال الشهر الجاري، أعلن رئيس تايوان لاي تشينغ تي خططاً لتوزيع مبالغ نقدية على السكان المؤهلين في 2027، مستشهداً بالنمو الاقتصادي المتسارع في الجزيرة، التي تتمتع بصناعة رائدة عالمياً لأشباه الموصلات، والمدفوع بالطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي. وكانت تايوان وزعت مبالغ نقدية على السكان أيضاً في 2025.
تاريخياً، استهدف الكثير من برامج المدفوعات النقدية فئات محددة، من بينها برنامج في كينيا خُصص لسكان المناطق الريفية، وآخر في فنلندا للعاطلين عن العمل. ووثق مختبر ستانفورد للدخل الأساسي (Stanford Basic Income Lab) أكثر من 200 مشروع تجريبي في الولايات المتحدة وحدها. وتمنح هذه البرامج، الممولة من مزيج من الأموال الخيرية والعامة، دخلاً متواضعاً لفترة محددة لعشرات أو مئات الأشخاص من فئات مثل الأمهات العازبات والسجناء السابقين. ويهدف بعضها إلى تغطية الاحتياجات الأساسية بصورة عامة، بينما يساعد بعضها الآخر على تحمل تكاليف رعاية الأطفال أو التدريب المهني.
وفي الولايات المتحدة، أطلقت مجموعة "صندوق الدخل المضمون" (Fund for Guaranteed Income) في مارس واحداً من أوائل البرامج المخصصة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ
