ما الذي يبقى من الثروة بعد إنفاقها؟ الوفرة تتيح شراء أشياء كثيرة، لكنها لا تضمن أن يتكوّن، من خلال شرائها، مجتمع يستطيع إنتاج شروط استمراره. وقد تنقضي فرصة تاريخية تاركة وراءها منشآت تحتاج إلى موارد جديدة لإدامتها، أو تترك معرفة ومؤسسات وخبرات تستطيع أن تخلق فرصاً لم تكن متاحة من قبل. وبين الاحتمالين تقع مسألة الدولة: قدرتها على أن تجعل ما هو مؤقت في شروط نشأتها مصدراً لما يمكن أن يستمر ويتجدد.
من هذه الزاوية أقرأ تجربة الإمارات، وأرى أن أهميتها تتجاوز ما يظهر منها في عمران المدن وحركة الاقتصاد. إنها تثير سؤالاً عن إمكان التصرف في الشروط التي يمنحها التاريخ، وعن المسافة بين امتلاك المورد وامتلاك القدرة على تحويله. فالنفط مورد قابل للنفاد، والموقع الجغرافي تتغير قيمته بتغير طرق التجارة والتقنية وموازين القوة، وحتى الاستقرار يحتاج إلى عمل متواصل يحفظ أسبابه. وما يستحق النظر هو الكيفية التي تنتظم بها هذه العناصر في تجربة تتطلع إلى بناء قدرة تتجاوز الاعتماد على كل عنصر منها منفرداً.
أسمي هذا السؤال، وما يمكن أن يتولد عنه من تفسير، «فكرة الإمارات». وأقترح قراءتها من خلال فرضية محددة: تتعزز قدرة الدولة على الاستمرار بقدر ما تستطيع تحويل مواردها إلى مؤسسات ومعرفة وعلاقات منتجة، ثم تمكين هذه العناصر من التعلم والتجدد. وبذلك يصبح قياس النجاح متعلقاً أيضاً بما تتركه كل مرحلة من قدرة على خوض المرحلة التالية.
يقتضي هذا المدخل إعطاء الثروة وزنها الحقيقي. فالمال يوسع الخيارات، ويتيح تحمل كلفة التجريب، ويمنح الإدارة وقتاً لا تملكه دولة أخرى تحاصرها الحاجات العاجلة. لكن السؤال الحاسم يتعلق بما إذا كانت الموارد تخفف كلفة التعلم وتساعد على بناء الكفاءة، أم تؤجل الحاجة إليهما.
في التجربة الإماراتية، أرى أن المدخل إلى فهم هذا التحويل يبدأ من الاتحاد نفسه. فقد أتاح قيام الدولة الاتحادية تنظيم المصالح المشتركة ضمن كيان سياسي جامع، مع بقاء مجالات للاختصاص والعمل المحليين، وهي علاقة يؤطرها دستور دولة الإمارات. وتستحق هذه الصيغة أن تُقرأ بوصفها معالجة لمسألة أعمق من توزيع المهام الإدارية: فالاتحاد يصبح منتجاً حين يمنح أجزاءه بعضها بعضاً إمكانات لم تكن لتملكها منفردة، وحين يكون في بقاء الخصوصية ما يضيف إلى القدرة العامة. هنا تتحول المبادرة المحلية إلى مصدر معرفة، ولتعدد المسارات أن يوسع الخيارات المتاحة للدولة.
وفي الاقتصاد، على سبيل المثال يستمد الميناء جانباً من قيمته من كفاءة ما يقع خارج حدوده: النقل والجمارك والتمويل والقواعد المنظمة للعمل. وقد يكون الاستثمار في منشأة حديثة محدود الأثر إذا ظلت الصلات بينها وبين محيطها ضعيفة. أما حين تتحسن تلك الصلات، فإن كل عنصر يرفع فاعلية العناصر الأخرى.
يمكن هنا الاستفادة من مفهوم «الدولة المنصّة»، بمعنى الدولة التي تهيئ شروطاً تسمح للمبادرات بأن تنشأ وتتصل وتتوسع. فوظيفتها تشمل بناء البيئة التي يستطيع فيها الآخرون أن يعملوا بقدر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
