تتجه أنظار العالم إلى واشنطن، حيث يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاستقبال نظيره الصيني شي جين بينغ في زيارة دولة تاريخية، وسط مراسم استقبال استثنائية تخفي وراءها ملفات شديدة التعقيد، تمتد من التجارة والرسوم الجمركية إلى الذكاء الاصطناعي وتايوان، في وقت تسعى فيه أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم إلى إدارة خلافاتهما ومنعها من التحول إلى مواجهة أوسع.
ومن المقرر أن يستقبل ترامب الرئيس الصيني شخصياً لدى وصوله إلى قاعدة أندروز الجوية في ولاية ماريلاند مساء الأربعاء، قبل إقامة مراسم استقبال رسمية في البيت الأبيض، غدا الخميس، تتضمن عرضاً جوياً ومشاركة نحو 500 من أفراد الجيش الأميركي، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».
وتستمر زيارة شي حتى الجمعة، وهي أول زيارة دولة له إلى الولايات المتحدة منذ نحو عقد، فيما أكدت «رويترز» أن الزيارة التي تستغرق 3 أيام ستجمع بين مظاهر الاحتفاء الرسمي والمباحثات الصعبة بشأن التجارة والتكنولوجيا والقضايا الجيوسياسية.
ويعكس مستوى الاستقبال أهمية العلاقة الشخصية التي يسعى ترامب إلى بنائها مع شي، إذ يرى الرئيس الأميركي أن التواصل المباشر بين الزعيمين يمكن أن يساعد في الحد من التوتر بين البلدين، حتى مع استمرار الخلافات العميقة بشأن عدد من الملفات الاستراتيجية.
وتأتي القمة بعد أشهر من لقاء سابق بين ترامب وشي في بكين، تحدث خلاله الجانبان عن بناء استقرار استراتيجي في العلاقات، لكن من دون تحقيق اختراقات كبيرة، إذ ظلت الخلافات قائمة بشأن التجارة وقيود التصدير والجغرافيا السياسية. وتبقى التوقعات بشأن القمة الجديدة محدودة، مع ترجيح أن تركز على إدارة المنافسة أكثر من التوصل إلى تسوية شاملة للخلافات.
الرقائق توقظ الأسهم.. هل تفجّر الفائدة وقمة ترامب شي مفاجأة جديدة؟
هدنة تجارية تحت الاختبار
ويتصدر الملف التجاري جدول أعمال القمة، خصوصاً مع اقتراب انتهاء الهدنة التجارية بين واشنطن وبكين في نوفمبر المقبل.
وكان البلدان توصلا إلى هدنة مؤقتة خلال لقاء ترامب وشي في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2025، تضمنت تعليق زيادات كبيرة في الرسوم الجمركية الأميركية على السلع الصينية، مقابل تخفيف بكين القيود المفروضة على صادرات المعادن الأرضية النادرة، التي تمثل مدخلات أساسية في صناعات التكنولوجيا والسيارات والطاقة والدفاع.
وتسعى واشنطن إلى ضمان استمرار تدفق المعادن النادرة والمغناطيسات التي تحتاج إليها الشركات الأميركية، فيما تريد بكين التوصل إلى ترتيبات تجارية أكثر استقراراً تحد من مخاطر الرسوم الجمركية على اقتصادها المعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات.
وأجرى مسؤولون أميركيون وصينيون جولات من المحادثات قبل وصول شي إلى واشنطن، ركزت على التجارة والذكاء الاصطناعي وقضايا اقتصادية أخرى، في محاولة لتهيئة الأرضية للقمة. ووفق «رويترز»، يُنظر إلى تمديد الهدنة التجارية، وليس تحقيق اختراق شامل، باعتباره أحد أبرز الملفات العملية المطروحة أمام الزعيمين.
ولا تدخل الصين المفاوضات من موقع اقتصادي ضعيف بالكامل، إذ واصلت صادراتها تحقيق أداء قوي رغم الحرب التجارية والقيود الأميركية، ما يمنح بكين هامشاً أكبر في التفاوض بشأن شروط أي اتفاق جديد.
الذكاء الاصطناعي.. ساحة المنافسة الجديدة
وإلى جانب التجارة، برز الذكاء الاصطناعي سريعاً كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الأميركية الصينية، في ظل سباق بين البلدين للسيطرة على التكنولوجيا التي يُتوقع أن تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
ويعتبر ترامب الحفاظ على التفوق الأميركي في الذكاء الاصطناعي هدفاً استراتيجياً، وسبق أن لخّص موقفه بالقول إن "من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز"، بينما ترفض إدارته حتى الآن الدعوات إلى إبطاء تطوير التكنولوجيا بصورة كبيرة.
وفي المقابل، ترى بكين أن بعض الدعوات الأميركية إلى فرض معايير أكثر صرامة للسلامة قد تستخدم لتقييد تقدم الشركات الصينية، خصوصاً في ظل القيود التي فرضتها واشنطن خلال السنوات الماضية على وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة اللازمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، تظهر مؤشرات على إمكانية فتح مساحة محدودة للتعاون. فقد بحث وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ إنشاء آلية تتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي، فيما دعت الصين إلى جعل التكنولوجيا مجالاً جديداً للتعاون بين البلدين.
وتكتسب القضية بعداً اقتصادياً إضافياً بالنظر إلى استمرار التشابك المالي بين البلدين رغم المنافسة التكنولوجية. وأفادت "رويترز" بأن المؤسسات المالية الأميركية لا تزال تشارك في تمويل شركات تكنولوجيا صينية، في الوقت الذي تتدفق فيه رؤوس أموال صينية إلى شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات الأميركية.
المعادن الأرضية النادرة تدفع ترامب إلى التهدئة مع الصين قبل قمته مع شي
تايوان.. الملف الأكثر حساسية
ويبقى ملف تايوان أحد أصعب الاختبارات أمام القمة، إذ تعتبر الصين الجزيرة جزءاً من أراضيها، بينما تواصل الولايات المتحدة دعم قدرة تايوان على الدفاع عن نفسها.
ومن المتوقع أن يضغط شي على ترامب بشأن مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان، في وقت أفادت فيه "رويترز" بأن بكين تريد من واشنطن الحد من تلك المبيعات استناداً إلى البيان المشترك الصادر عام 1982. وفي المقابل، تؤكد واشنطن أن سياستها تجاه تايوان لم تتغير.
وكان ترامب قد أرجأ حزمة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، ووصف لاحقاً مبيعات الأسلحة بأنها ورقة تفاوضية يمكن استخدامها في التعامل مع بكين، ما يزيد حساسية القضية خلال المحادثات الحالية.
ولا تقتصر الخلافات على تايوان والتجارة، إذ تشمل كذلك العلاقات الصينية مع إيران وروسيا، والحرب في أوكرانيا، ومستقبل النظام الاقتصادي العالمي، وهي ملفات تعكس اتساع نطاق المنافسة بين واشنطن وبكين.
ورغم ذلك، تبدو الرسالة الأساسية للزيارة متمثلة في محاولة إبقاء المنافسة تحت السيطرة. فالمراسم الضخمة التي أعدها البيت الأبيض، والعشاء الرسمي الذي يُتوقع أن يحضره عدد من كبار مسؤولي شركات التكنولوجيا والمال، يعكسان رغبة الجانبين في إظهار قدر من الاستقرار.
ومن المنتظر أن يشارك في العشاء عدد من أبرز قادة الشركات، بينهم جيف بيزوس، وسوندار بيتشاي، وسام ألتمان، وتيم كوك، وإيلون ماسك، وجنسن هوانغ، إلى جانب شخصيات بارزة في القطاع المالي، وفق "رويترز".
لكن خلف الأضواء والاستقبال الاستثنائي، تبقى فرص التوصل إلى اختراقات كبيرة محدودة. فواشنطن وبكين تحاولان في الوقت الراهن إيجاد صيغة لإدارة المنافسة وليس إنهائها، بينما تبدو القمة أقرب إلى اختبار لقدرة ترامب وشي على تثبيت الهدنة وتحديد قواعد جديدة للعلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم، بدلاً من حل الخلافات التي تراكمت بينهما خلال السنوات الماضية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
