خارطة طريق لإعادة بناء السردية السعودية... من أم القرى سنة 1924 إلى صوت الحجاز عام 1932: الصحافة توثق سيرة السعودية وهي تتشكل

باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية

bassam.algayal@integrateuscon.com

حين نعود إلى الصحف السعودية الأولى، لا نعود إلى أوراق قديمة تنقل أخبارًا انقضى زمنها، بل إلى سجل كُتبت فيه الدولة وهي تتشكل. ففي صفحات تلك الصحف نرى أسماء البلاد وألقاب الملك عبدالعزيز تتطور مع مراحل التوحيد، والأنظمة تحل تدريجيًا محل التعليمات المؤقتة، والدوائر الحكومية تظهر واحدة بعد أخرى، والمدن والمناطق تدخل في مجال سياسي وإداري واحد. وتكشف الأخبار والإعلانات والبلاغات، إلى جانب المقالات والقصائد والمناقشات الأدبية، كيف انتقلت البلاد من توحيد الأرض إلى تنظيم الدولة، ومن تداول الخبر شفهيًا أو عبر المراسلات المحدودة إلى نشره في صحيفة تصل إلى المسؤول والتاجر والمعلم والقاضي والقارئ، وتحفظه في نص مكتوب يستطيع الناس الرجوع إليه.

لا تبدأ أهمية الصحافة السعودية من عدد الصحف أو اتساع توزيعها في تلك المرحلة، بل من الوظيفة التي أدتها في بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. كانت الدولة الناشئة تحتاج إلى وسيلة تعلن بها قراراتها، وتنشر أنظمتها، وتشرح مواقفها، وترد على الأخبار التي تكتب عنها خارج البلاد، وتربط بين مناطق تفصل بينها مسافات واسعة وتختلف فيها سرعة وصول المعلومات. وكان المجتمع الذي يعيش تحولات سياسية وإدارية متسارعة يحتاج إلى معرفة ما يحدث في مدنه ومناطقه وفي العالم المحيط به. ومن هنا أصبحت الصحيفة جزءًا من بنية الدولة الجديدة، لا مجرد شاهد عليها، وصارت الكلمة المطبوعة وسيلة من وسائل توحيد المجال العام إلى جانب توحيد الأرض والسلطة.

ويقدم أرشيفا «أم القرى» و«صوت الحجاز» مادة أساسية لإعادة بناء السردية السعودية؛ لأنهما يسمحان لنا بقراءة المرحلة من داخل زمنها، لا من خلال ما كتبه المؤرخون عنها بعد عقود. حفظت «أم القرى» صوت الدولة وقراراتها وهي تبني مؤسساتها، بينما وسعت «صوت الحجاز» المجال أمام الأدباء والمثقفين لمناقشة التعليم والإصلاح والأدب والحياة العامة. وبين الصحيفتين تظهر المملكة لا بوصفها قرارًا صدر في يوم واحد، بل بوصفها دولة ومجتمعًا ولغة وطنية كانت جميعها تتكون وتتطور على صفحات الصحافة.

الصحيفة التي سبقت اسم الدولة

صدر العدد الأول من جريدة «أم القرى» في مكة المكرمة يوم الجمعة 15 جمادى الأولى 1343هـ، الموافق 12 ديسمبر 1924. وكانت البلاد آنذاك لا تزال بعيدة بنحو ثماني سنوات عن اعتماد اسم «المملكة العربية السعودية». وهذا التوقيت يمنح الجريدة قيمة تتجاوز تاريخ الإعلام؛ فقد بدأت الدولة إنشاء سجلها المكتوب قبل أن تستكمل توحيد مناطقها وقبل أن تتخذ اسمها النهائي. أسس الملك عبدالعزيز صحيفة تنطق بأخبار مشروعه السياسي في الوقت الذي كان فيه ذلك المشروع يتحرك فوق الأرض، ويواجه تحديات تثبيت الحكم وتنظيم الإدارة وإعادة الأمن إلى الطرق والمدن وربط المناطق التي دخلت تحت سلطته. ولذلك يمكن القول إن «أم القرى» لم تولد بعد اكتمال الدولة، بل ولدت معها ورافقت انتقالها من مشروع توحيد إلى كيان سياسي ذي مؤسسات وأنظمة واسم واحد. وتؤكد الجريدة الرسمية أن عددها الأول صدر في ذلك التاريخ، وأن الملك عبدالعزيز هو مؤسسها، وأنها اتخذت مكة المكرمة مقرًا لها واستمرت بعد ذلك بوصفها الجريدة الرسمية للدولة.

جاء العدد الأول في أربع صفحات، وحدد في صفحته الأولى أن الجريدة تصدر مرة واحدة في الأسبوع يوم الجمعة، وأن المراسلات توجه إلى إدارتها تحت عنوانها البرقي «أم القرى». وتضمنت صفحاته افتتاحية تشرح الغاية من إصدارها، وخبر وصول الملك عبدالعزيز إلى مكة، إلى جانب الأخبار والمواد الدينية والسياسية. ولم تقدم الافتتاحية الصحيفة بوصفها مشروعًا تجاريًا أو منبرًا للأخبار المثيرة، بل بوصفها واسطةً تعرف العالم الإسلامي بما يجري في البلاد، وتنشر ما يساعد الناس على معرفة ما يصلح شؤونهم. كانت هذه اللغة إعلانًا مبكرًا عن حاجة الدولة إلى امتلاك وسيلتها في مخاطبة الداخل والخارج، بدل أن تترك أخبارها ومواقفها لما تكتبه عنها صحف الدول المجاورة أو المراسلون والبعثات الأجنبية. وتتيح النسخة المصورة من العدد الأول رؤية الصحيفة كما ظهرت في زمنها، بأعمدتها القليلة وطريقة ترتيب موادها ولغتها التي جمعت بين الخطاب الديني والخبر السياسي والتعريف بمشروع الحكم الجديد.

لم يكن اختيار مكة مقرًا للجريدة ولا اختيار اسم «أم القرى» أمرين منفصلين عن المرحلة السياسية. كانت مكة مركزًا دينيًا تتجه إليه أنظار المسلمين، ومكانًا تلتقي فيه أخبار الحجاج والعلماء والتجار والقناصل والقادمين من بلدان متعددة. ومن مكة استطاعت الدولة أن تخاطب جمهورًا يتجاوز حدودها السياسية، وأن تقدم روايتها عن الأحداث والتحولات التي كانت تشهدها البلاد. كما أن ظهور الجريدة بعد دخول الحجاز تحت حكم الملك عبدالعزيز أتاح للدولة الاستفادة من المطابع والخبرات الصحفية الموجودة هناك، وربط المشروع السياسي القادم من نجد بمركز إسلامي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع العالم العربي والإسلامي.

وتشير الكتابات التي تتبعت إرهاصات تأسيس «أم القرى» إلى أن الملك عبدالعزيز كان يفكر قبل دخوله الحجاز في إصدار صحيفة تحمل أخبار دولته، وأن مشروعًا أوليًا لإنشاء صحيفة في نجد كان مطروحًا قبل أن تسمح التطورات السياسية بصدورها من مكة باسم «أم القرى». ولذلك لم تكن الجريدة نتيجة عارضة لتوافر مطبعة في مكة، بل استجابة لحاجة أدركها المؤسس مبكرًا: الدولة التي تتسع جغرافيًا وتدخل في علاقات مع قوى إقليمية ودولية تحتاج إلى صوت موثوق يوحد خبرها ويشرح سياستها. غير أن هذه المعلومة ينبغي أن تبقى مجالًا لمزيد من البحث في المراسلات الأصلية المتعلقة بالمشروع الأول للصحيفة، حتى نستطيع تحديد الأشخاص الذين شاركوا في اقتراحها والتحضير لها، والخيارات التي كانت مطروحة بشأن اسمها ومكان صدورها.

مع مرور الوقت أصبحت «أم القرى» المكان الذي تظهر فيه الدولة أمام سكانها بصورتها النظامية. نشرت الأوامر والبلاغات والمعاهدات، ثم أخبار تشكيل الدوائر الحكومية والتنظيمات المتعلقة بالحج والقضاء والمالية والأوقاف والتجارة. ومن يقرأ أعدادها المتتابعة لا يرى أخبارًا متفرقة فقط، بل يرى أجهزة الدولة تظهر تدريجيًا، واختصاصاتها تتحدد، ولغتها الإدارية تستقر. كانت الصحيفة تنقل القرار من مجلس الحاكم ومكاتبات المسؤولين إلى المجال العام، فيصبح النص المنشور معلومًا ومحفوظًا وقابلًا للرجوع إليه. وبهذا المعنى لم تكن الجريدة تسجل بناء المؤسسات من الخارج، بل شاركت فيه؛ لأن النظام لا يكتمل بمجرد صدوره، بل يحتاج أيضًا إلى وسيلة تنشره وتحدد صيغته الرسمية وتجعله جزءًا من العلاقة بين الدولة والمجتمع.

من صوت الدولة إلى المجال الوطني

لم تكن المسافة بين مناطق البلاد في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته تقاس بالكيلومترات وحدها. كانت هناك مسافات في سرعة وصول الأخبار، واختلاف الترتيبات الإدارية، وتباين الصلات بين المدن والمناطق، وضعف وسائل النقل والاتصال مقارنة بما عرفته البلاد لاحقًا. وكان جمع هذه الجغرافيا تحت سلطة واحدة يحتاج إلى أكثر من القوة السياسية والعسكرية؛ فقد احتاج إلى لغة مشتركة تخبر الناس بأن قرارًا واحدًا أصبح يسري على أرض واسعة، وأن ما يحدث في مكة أو الرياض أو الأحساء أو المدينة لم يعد شأنًا محليًا معزولًا، بل جزءًا من حياة دولة واحدة.

أدت «أم القرى» دورًا مهمًا في صناعة هذه اللغة. فحين نشرت خبر جولة للملك عبدالعزيز، أو قرارًا يتعلق بالحج، أو تنظيمًا ماليًا، أو تعيينًا إداريًا، فإنها لم تنقل الحدث وحده، بل أعادت تعريف علاقة السكان بالدولة. أصبح القارئ يتلقى أخبار البلاد من مصدر يحمل سلطة الحكم ويتحدث باسمه، ويرى المناطق المختلفة مجتمعة داخل صفحات صحيفة واحدة. وساعد ذلك على تحويل التوحيد من حدث سياسي يقع في القمة إلى معرفة يومية تصل إلى المجتمع، وعلى نقل الدولة من حضور يرتبط بشخص الحاكم وممثليه المحليين إلى حضور مؤسسي يظهر في النظام المكتوب والقرار المنشور والإعلان الرسمي.

ولا يعني ذلك أن «أم القرى» كانت نشرة رسمية جامدة منذ يومها الأول. فقد ضمت في مراحلها الأولى افتتاحيات ومقالات وقصائد وأخبارًا محلية ودولية، ثم اتسعت عنايتها بالأدب والثقافة. وكانت الصفحة الأولى تجمع أحيانًا بين الافتتاحية والبلاغ الرسمي، في انعكاس لطبيعة مرحلة لم تكن فيها الحدود فاصلة تمامًا بين الصحافة الحكومية والصحافة الثقافية. غير أن وظيفتها الرسمية ازدادت وضوحًا مع نمو الدولة، فتحولت إلى مستودع للأوامر والأنظمة والميزانيات والاتفاقيات وأخبار المؤسسات. وقد تغير شكلها وإخراجها ومادتها عبر السنين، لكن وظيفتها الأساسية بقيت ثابتة: أن تكون السجل المنشور للدولة السعودية.

وفي 27 ذي القعدة 1350هـ، الموافق 4 أبريل 1932، أي قبل إعلان المملكة العربية السعودية بأشهر، صدر في مكة العدد الأول من «صوت الحجاز». وكتبت تحت اسمها عبارة «جريدة وطنية جامعة»، وظهر اسم محمد صالح نصيف بوصفه صاحب الجريدة ومديرها، واسم عبدالوهاب إبراهيم آشي بوصفه رئيس تحريرها المسؤول. وكانت تصدر مرة في الأسبوع، وجاء عددها الأول في ثماني صفحات من القطع الصغير. وهذه التفاصيل لا تقتصر أهميتها على التأريخ لصحيفة جديدة، بل تكشف اتساع الحياة العامة في البلاد قبيل إعلان المملكة؛ فإلى جانب الجريدة الرسمية ظهر منبر أهلي يفسح مساحة أكبر للأدب والنقد والتعليم وقضايا المجتمع.

تكمن أهمية «صوت الحجاز» في أنها تساعدنا على الانتقال من قراءة ما كانت الدولة تقرره إلى قراءة ما كان المجتمع يفكر فيه. فمن خلال كتّابها ومقالاتها ومساجلاتها نقترب من الجيل الذي عاصر نهاية مرحلة سياسية وبداية أخرى، وواجه أسئلة التعليم واللغة والأدب والهوية والإصلاح والتحديث. ولم يكن وصفها بأنها «وطنية جامعة» مجرد عبارة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
صحيفة عاجل منذ 16 ساعة
صحيفة سبق منذ 17 ساعة
صحيفة سبق منذ 9 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 5 ساعات
صحيفة عاجل منذ 10 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 17 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 14 ساعة
صحيفة سبق منذ 14 ساعة