تشهد أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأميركية أقوى علاقة ترابط بينهما منذ حرب الخليج الأولى عام 1990، مع تحول الصراع في الشرق الأوسط إلى عامل رئيسي في تحريك سوق السندات التي تحدد تكاليف الاقتراض في الاقتصاد العالمي.
بحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، بلغ الارتباط بين سعر خام غرب تكساس الوسيط وعائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 65% هذا الشهر، وفق بيانات شركة «سي بي أو إي»، ليقترب من المستوى القياسي المسجل عام 1990 عقب غزو العراق للكويت، عندما بلغ الترابط 66%.
أسهم أوروبا تتجاوز ضغط النفط وعوائد السندات.. ارتفاع محسوب أم صدفة؟
النفط يحدد اتجاه السندات
يعكس هذا الترابط المتزايد مدى اعتماد آفاق الاقتصاد العالمي وأسواق الأصول الرئيسية على تطورات سوق الطاقة، لا سيما حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره عادةً نحو 20% من صادرات النفط العالمية.
وأجبرت صدمة أسعار الطاقة المستثمرين على إعادة تقييم توقعاتهم بشأن التضخم وأسعار الفائدة.
قال مايك ريدل، مدير صندوق لدى «فيديليتي إنترناشونال»، إن مستثمري السندات اعتادوا متابعة البيانات الاقتصادية وإعلانات البنوك المركزية «بدقة متناهية»، لكنهم خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة الماضية أصبحوا «بصورة أساسية متداولي نفط».
ويمتد هذا الترابط إلى أسواق السندات الأوروبية، حيث ارتفعت عوائد الدول الأكثر تعرضاً لصدمة أسعار الطاقة بالتوازي مع صعود الخام.
وقال ريتشارد وولنوغ، مدير صندوق سندات لدى «إم آند جي»، إن العوائد تتحرك هذا العام «تقريباً نقطة بنقطة مع أسعار النفط».
وشهدت أسعار النفط تقلبات حادة منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، إذ تراوحت بين أكثر من 100 دولار للبرميل ونحو 70 دولاراً، مع تغير التوقعات بشأن فرص التوصل إلى تسوية.
مضيق هرمز يفقد 84% من حركة الملاحة خلال 6 أشهر
ارتفاع العوائد يفاقم مخاوف التضخم
في الولايات المتحدة، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، وهو معيار مرجعي لتريليونات الدولارات من الأصول حول العالم، إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007 هذا العام، مع تزايد المخاوف من ارتفاع التضخم بفعل تداعيات الصراع الأميركي الإيراني، إلى جانب قوة الاقتصاد المحلي، ودفع ذلك المتعاملين إلى زيادة رهاناتهم على اضطرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة.
ووفق حسابات محللي شركة «تي إس لومبارد»، فإن كل ارتفاع قدره دولار واحد في سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط يعادل زيادة تقارب 0.02 نقطة مئوية في عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات.
ويوم الاثنين، ارتفع سعر النفط بما يصل إلى 4.5%، بينما صعد عائد السندات لأجل 10 سنوات بما يصل إلى 0.09 نقطة مئوية.
ومع استمرار الصراع منذ فبراير، تراجعت آمال المستثمرين في أن تتعامل البنوك المركزية مع ارتفاع التضخم الناجم عن صدمة الإمدادات باعتباره مؤقتاً. وبدلاً من ذلك، أصبح ارتفاع أسعار الطاقة يُنظر إليه باعتباره عاملاً قد يزيد الضغوط على البنوك المركزية التي تكافح بالفعل تضخماً أعلى من المستهدف.
وقال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش هذا الشهر إن «التضخم مرتفع للغاية، واستمر مرتفعاً لفترة طويلة»، بالتزامن مع رفع البنك المركزي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ عام 2023.
من جانبه، قال بيتر شافريك، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي لدى «آر بي سي كابيتال ماركتس»، إن «المحرك الرئيسي للعوائد قصيرة الأجل تغير هذا العام»، مشيراً إلى أن أسعار الطاقة أصبحت «عاملاً محدداً وواضحاً لسياسة البنوك المركزية».
الطاقة الدولية تلوح بورقة الاحتياطيات الاستراتيجية لضبط سوق النفط
أوروبا تراقب أسعار الغاز
في أوروبا، تحظى أسعار الغاز باهتمام مماثل، نظراً إلى تأثيرها الأكبر في تضخم الأسر، حيث ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية 160% منذ بداية العام، لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية وما تلاها من تداعيات.
وسلطت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد الضوء على ارتفاع أسعار الغاز باعتباره أحد مخاطر صعود التضخم، عندما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة في وقت سابق من هذا الشهر.
من جانبها، قالت لورين فان بيلجون، مديرة المحافظ الاستثمارية لدى «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس»، إن آلية انتقال تأثير أسعار النفط إلى الأسواق «غامضة إلى حد كبير»، ما يجعل تحديد توقيت تحركات العوائد أكثر صعوبة.
أما ماندي شو، رئيسة استخبارات أسواق المشتقات لدى «سي بي أو إي»، فقالت إن استمرار هذا النمط يعني أن اتجاه عوائد السندات سيكون «أقل اعتماداً على الاحتياطي الفيدرالي وأكثر ارتباطاً بتطورات الوضع في إيران».
غموض نهاية الصراع
لا تزال آفاق الصراع غير واضحة، إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه رفض عرضاً إيرانياً لوقف إطلاق النار لمدة سبعة أيام.
وكتب محللو بنك «جيه بي مورغان»، بقيادة ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية، في مذكرة الأسبوع الماضي: «للمرة الأولى منذ بدء الصراع مع إيران، ليست لدينا رؤية أساسية بشأن المسار الذي ستتخذه أسعار النفط»، وأضافوا «ببساطة، لا نعرف كيف يمكننا نمذجة المرحلة النهائية للصراع».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

