إيران والنظام الأمني الناشئ في الشرق الأوسط

علاء الدين أبو زينة يندرج هذا المقال ضمن سلسلة "مستقبل الشرق الأوسط" التابعة لـ"مشروع مستقبل الشرق الأوسط" لـ"مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية". وتبحث هذه السلسلة في المرحلة الراهنة من اختلال التوازن في المنطقة، وتستكشف السيناريوهات المستقبلية المحتملة، وتبحث في المسارات التي يمكن أن تحدد النتائج المقبلة.

في مجملها، تنطلق هذه القراءات من فكرة أن نتائج الحروب الكبرى لا تقاس بما يحدث في ساحات القتال وحدها، وإنما بما تتركه الحرب من تحولات في موازين القوة وقواعد الأمن والقدرة على فرض الإرادة السياسية. ومن هذا المنظور، يقرأ ولي نصر، الأكاديمي والمحلل الأميركي إيراني الأصل، الحرب التي تشنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران باعتبارها نقطة انعطاف في النظام الإقليمي الذي حكم الشرق الأوسط لعقود. فقد دخلت واشنطن وتل أبيب الحرب وهما تراهنان على إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة حول تفوق للكيان مدعوم أميركياً. لكن مسار الحرب أظهر حدود القوة العسكرية للدولتين المتحالفتين، ومنح إيران مساحة أوسع للمناورة الإقليمية. وألقى استهداف القواعد الأميركية في منطقة الخليج والسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز بظلال مباشرة على صلاحية البنية الأمنية التي أقامتها الولايات المتحدة حول إيران طوال عقود.

يرى نصر أن تراجع القدرة الأميركية على احتكار إدارة أمن المنطقة يفتح الباب أمام نظام أكثر تعددية في مراكز القوة، تتنافس فيه إيران وتركيا ودول الخليج والصين وروسيا وأوروبا، وتتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية بحيث يصعب اختزاله في ثنائية أميركية-إيرانية. وفي هذا المشهد، قد تتراجع الهيمنة الأميركية من دون أن يولد بديل مستقر، ويمكن أن يفضي الفراغ الناجم إلى تعدد الأقطاب بقدر ما يمكن أن يتحول إلى تنافس فوضوي بين تحالفات متداخلة.

في هذا الواقع المضطرب الغامض والمفتوح على الاحتمالات، ينقل نصر السؤال من التركيز على مستقبل إيران بعد الحرب إلى السؤال الأكثر مركزية عن مستقبل الإقليم بأكمله: كيف سيبدو الشرق الأوسط عندما لا تعود الولايات المتحدة قادرة على تنظيم أمنه بالطريقة التي اعتادتها المنطقة؟

ولي نصر* (مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية) 14/9/2026

"القديم يحتضر والجديد لا يولد؛ وفي هذه الانتقالة، تظهر طائفة متنوعة من الأعراض المرضية".

الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، 1930

في شباط (فبراير) 2026، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب مع إيران بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط. لكن إيران هي التي يبدو أنها خرجت، بعد المراحل الأولى من الحرب، مهيأة لممارسة نفوذ أكبر في المنطقة، في حين أن تأثير الولايات المتحدة في مستقبل الإقليم ربما يكون آخذاً في التراجع.

كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تتوقعان أن تؤدي ضربتهما إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية -أو، في الحد الأدنى، إلى إضعاف قدراتها النووية والعسكرية بدرجة كبيرة. وعندئذ لن تعود إيران تشكل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة. وبعد تحييد إيران، سيكون بوسع الحليفين أن يعيدا تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط كما يريدان. سوف تُطبّع إسرائيل والسعودية علاقاتهما، مما سيُمهد الطريق لتسوية مصير الفلسطينيين، ومستقبل لبنان وسورية. وبدعم أمريكي، ستتمكن إسرائيل من لعب دور الحصن الأمني والركيزة الأمنية للمنطقة، وسيمتد نفوذها السياسي والاقتصادي عبر كامل الإقليم من دون عوائق.

بدلاً من ذلك، كشفت الحرب حدود القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية. كانت إيران قد استعدت للحرب وهي تتوقع اندلاعها، ووضعت إستراتيجية حالت دون تمكن خصميها النوويين الأكثر تقدماً من تحقيق أهدافهما الحربية. وبدلاً من تجريدها من قدرتها، بدت إيران أقوى -بل منتصرة- في بعض مراحل المواجهة. وقد نجمت وصمدت حتى الآن أمام أسوأ ما حملته الحرب، وحققت مكاسب إستراتيجية مهمة.

أول هذه المكاسب هو أن إيران تمكنت فعلياً، من خلال تدمير قدر كبير من البنية التحتية العسكرية الأميركية في أنحاء منطقة الخليج، من تفكيك البنية الأمنية التي كانت الولايات المتحدة قد بسطتها على المنطقة طوال عقود. وأثار الدمار الذي لحق بعدد من القواعد الأميركية شكوكاً في قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الخليج -بل وفي مدى استعدادها لإعادة بناء ما تم تدميره.

ثانياً، فرضت إيران سيطرتها على مضيق هرمز. في المرحلة الأولى من الحرب أغلقت إيران المضيق باعتبار ذلك تكتيكاً عسكرياً لردع الولايات المتحدة عن تصعيد حملتها الجوية. لكنها سرعان ما اكتشفت أن فائدة السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي تذهب أبعد بكثير من حدود الحرب نفسها. فهي لن تتيح لطهران إمكانية ردع أي عدوان أميركي مستقبلي فحسب، وإنما ستمكنها أيضاً من دفع الولايات المتحدة إلى التخلي عن الحرب -بل والتفاوض على رفع العقوبات المفروضة على إيران؛ وهو تنازل لم ينجح البرنامج النووي الإيراني في انتزاعه حتى ذلك الحين.

ولم تستطع الولايات المتحدة انتزاع السيطرة على المضيق من إيران، ولا قصفه، ولا فرض عقوبات عليه. باختصار، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على احتواء إيران بالطريقة التي كانت تفعلها من قبل، واضطرت إلى القبول بدور أكبر لإيران يتعدى المنطقة ويمتد إلى الاقتصاد العالمي.

وكان معنى ذلك بالنسبة لإيران أن البنية الأمنية الإقليمية التي استمرت عقوداً منذ رئاستي جيمي كارتر ورونالد ريغان، وقامت أساساً على احتواء إيران، قد انتهت إلى غير رجعة وأن الأمور لن تعود أبداً كما كانت.

انهيار بنية الأمن الأميركية

كانت الاستجابة الإيرانية الفورية للهجوم الأميركي والإسرائيلي هي الرد بضرب القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في مختلف أنحاء الخليج العربي. وقد أغرقت الصواريخ الإيرانية وطائرات "شاهد" المسيّرة منظومات الاعتراض الأميركية والعربية بوابل من الهجمات، موقعة أضراراً جسيمة في أكثر من اثنتي عشرة قاعدة عسكرية أميركية. وسرعان ما وسّعت إيران هجماتها لتشمل القواعد العسكرية التابعة لدول عربية، سواء تلك التي تستضيف أصولاً عسكرية أميركية أو تشارك في العمليات الأميركية. ثم اتسعت هذه الهجمات أكثر لتطال منشآت الطاقة في أنحاء مختلفة من الخليج العربي. وكان أبرزها هجوم إيران على حقل غاز "رأس لفان" رداً على هجوم إسرائيلي استهدف حقل غاز "بارس" الإيراني. وفي وقت لاحق، هاجمت إيران منشآت نفطية في ميناء الفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن ناقلات تحمل النفط والغاز تعود لدول الخليج.

وقد أثارت الهجمات الإيرانية غضب جيرانها العرب. لكن حكام إيران لم يروا في الخوف والغضب العربيين مصدر قلق على المدى القريب، ولم يكونا كافيين لردع طهران عن مهاجمة جيرانها. لم تكن دول الخليج قادرة على تهديد إيران بالرد الانتقامي بطريقة موثوقة. كما أنها لم تكن قادرة على إضافة الكثير إلى القوة النارية الأميركية والإسرائيلية المشتركة. ولو أنها انضمت إلى القتال، فإنها كانت ستعرّض نفسها لهجمات إيرانية أوسع لم تكن مستعدة لتحمّل تبعاتها.

مع ذلك، لم تكن إيران تسعى إلى خوض حرب مع جيرانها الخليجيين. وكان لهجماتها على أراضيهم هدفان إستراتيجيان: أولهما، تدمير القواعد والأصول العسكرية الأميركية المنتشرة في الخليج، والتي كانت حاسمة بشأن قدرة الولايات المتحدة على شن الحرب. وقد دمّرت الهجمات الإيرانية طائرات ومنظومات رادار، فضلاً عن مدارج طائرات ومنشآت بحرية.

وأثبت ذلك فاعليته. وعلى سبيل المثال، أدى تدمير مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين إلى تكوين ضغط كبير على الأسطول الأميركي الذي كان قد أصبح بحلول الشهر الثالث من الحرب مكلفاً بفرض حصار بحري على إيران. وقد اضطرت البحرية الأميركية إلى الاعتماد على وسائل أكثر صعوبة بكثير من المعتاد لتأمين الدعم اللوجستي لسفنها الحربية. كما أدى فقدان منظومات الرادار الحيوية إلى تقليص نطاق المعلومات الاستخبارية الميدانية التي كانت توجه الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران.

بحلول الشهر الخامس من الحرب، كانت إيران قد نجحت عملياً في إبعاد الوجود العسكري الأميركي عن الخليج. وأدى حجم الدمار الذي لحق بالقواعد، إلى جانب التهديد المستمر بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بينما كانت مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية تتناقص، إلى إجبار الولايات المتحدة على نقل أصولها وعملياتها إلى قواعد في إسرائيل ودول إقليمية أخرى أبعد عن الخليج. وقد شجعت دول الخليج أيضاً هذا الانتقال لتقليص حجم الهجمات التي تستهدف أراضيها، خاصة بعد الهجمات الإيرانية المتواصلة على الكويت طوال شهر تموز (يوليو).

بالنسبة لطهران، لم يكن ذلك مجرد مكسب إستراتيجي في زمن الحرب. كان أيضاً خطوة مهمة نحو تحقيق هدف قديم لطالما سعت إليه، يتمثل في إرغام الجيش الأميركي على مغادرة منطقة الخليج. وبعبارة أخرى، زرع الشهران الأولان من الحرب الشك في مستقبل القواعد الأميركية وجدواها، سواء في نظر الجيش الأميركي أو في نظر الدول المضيفة. ففي نهاية المطالف، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على حماية قواعد قريبة إلى هذا الحد من إيران، ولذلك قد لا ترى جدوى في إعادة بنائها. ومن جهتها، بدأت دول الخليج هي الأخرى في النظر إلى هذه القواعد باعتبارها عبئاً أكثر منها مصدراً للحماية؛ حيث يفتح وجودها دول الخليج أمام الحرب والفوضى الاقتصادية وتدمير بنيتها التحتية الحيوية. وعززت إيران هذه الفكرة في رسائلها السياسية، وأكدت أن السلام المستقبلي بينها وبين جيرانها لن يكون ممكناً إلا إذا لم تعد القواعد الأميركية إلى الخليج.

حتى الآن، ما يزال مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج العربي غير واضح. لكن إيران حققت مكسباً إستراتيجياً مهماً بتقليص نطاق هذا الوجود، وإثارة الشكوك حول جدواه في نظر الدول الخليجية. وستكون هناك دول خليجية تتصرف بطرق مختلفة في ردها على هذا المقترح، كما أن انقساماتها الداخلية نفسها تخدم الأهداف.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
قناة المملكة منذ 6 ساعات
صحيفة الدستور الأردنية منذ 4 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 20 ساعة
قناة المملكة منذ 3 ساعات
خبرني منذ 9 ساعات
قناة رؤيا منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 3 ساعات
قناة رؤيا منذ 10 ساعات