قبل أن تصير كلمة «الحكومة» في نشرات الأخبار مرتبطة أساسًا بالمؤسسة السياسية، كانت قد استقرت في بيوت المغاربة بمعنى آخر تمامًا. سل أي رجل عن موعد أو سفرة أو مشروع صغير، وسيجيبك غالبًا وهو يبتسم ابتسامة من يعرف حدود صلاحياته: «خاصني نسول الحكومة». ولن تحتاج إلى كثير من الشرح، فالجميع يفهم أن المقصود ليس رئيس الحكومة ولا الوزراء ولا البرلمان، بل الزوجة.
هذه النكتة التي رافقت المغاربة سنوات طويلة أخذت، في 29 شتنبر 2026، طعمًا مختلفًا. ففي ذلك اليوم عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب.
وجدتُ نفسي، مثل كثيرين على الأرجح، أتذكر العبارة القديمة وأبتسم. لا لأنها كانت نبوءة سياسية، فلا أحد يقرأ المستقبل في الدعابات، وإنما لأنها تقول عن المجتمع أكثر مما تقوله أحيانًا بعض الخطب المصقولة.
انظروا إلى الاختيار نفسه. لم يقل المغربي: «سول المديرة»، ولا «سول الرئيسة»، بل قال: «الحكومة» بالذات. وكأن الوعي الشعبي، وهو يمزح، كان يعترف على استحياء بأن البيت جهاز يحتاج إلى تدبير، وأن للقرار فيه أكثر من مصدر، وأن الرجل الذي يتحدث في المقهى بنبرة صاحب القرار يعود إلى بيته طالبًا «التأشير» على خرجته مع الأصدقاء.
يريد شراء شيء؟ «نشوف مع الحكومة».
وصلته دعوة؟ «نرجع للحكومة».
ينوي السفر؟ «نشوف واش الحكومة موافقة».
وبين هذه العبارات يبقى للزوج، في المخيال الساخر، منصب شرفي يشبه تلك المناصب الكبيرة في الاسم التي لا يُتخذ فيها قرار قبل جولة تفاوض طويلة.
طبعًا، لا ينبغي أن نبالغ في تحميل النكتة أكثر مما تحتمل. ففيها صورة نمطية لا تخفى؛ فهي تقدم الزوجة أحيانًا باعتبارها صاحبة المنع والإذن، وتحول حضورها في البيت إلى مادة للسخرية. لكنها، في الوقت نفسه، تكشف شيئًا آخر: أن الزوجة لم تكن غائبة عن القرار الأسري، وأن المجتمع كان يعترف بحضورها وتأثيرها، ولو عبر الضحك بدل اللغة الجادة.
واللافت أن هذه العبارة عاشت وتجددت رغم كل ما تغير في المجتمع المغربي. فالمرأة المغربية اليوم قاضية وطبيبة ومهندسة وأستاذة ومسؤولة إدارية ومقاولة ووزيرة وبرلمانية، ودخلت مجالات كانت تُقدَّم، حتى وقت قريب، باعتبارها مجالات ذكورية. ولذلك فإن «الحكومة» التي كانت تسكن في العبارة الشعبية داخل البيت لم تعد مجرد استعارة مرتبطة بتدبير الأسرة؛ فالمرأة نفسها أصبحت حاضرة في مواقع القرار العمومي، وصولًا إلى رئاسة الحكومة.
ثم جاء 29 شتنبر.
الكلمة التي كانت تُقال بين جدران البيت انتقلت، من حيث المفارقة، إلى قلب المشهد السياسي. صار بوسع المغربي أن يسمع «الحكومة» مقرونة باسم امرأة على رأسها فعلًا.
وهنا لا بد من الفصل بين مستويين مختلفين. فالتعيين السياسي له منطقه الدستوري والمؤسساتي، ولا علاقة له طبعًا بالنكتة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
