التمييز باسم الفضيلة

نشهد اليوم تحولا أنثروبولوجيا من أعمق التحولات التي عرفها التاريخ الحديث، يتمثل في الانتقال التدريجي من مجتمع تحكمه سلطة القانون إلى مجتمع يخضع لمنطق التقييم الدائم. فإذا كانت البنى التأديبية التقليدية تضبط الأجساد عبر الإكراه الظاهر، فإن البنى الرقمية الجديدة أصبحت تمارس سلطتها على الوعي الإنساني من خلال آليات متواصلة من التحقق والمصادقة والتقييم.

لقد كان القرن العشرون يخشى المراقبة البوليسية، وهيمنة الأجهزة الإيديولوجية، والرقابة العمودية التي تمارسها الدولة. أما القرن الحادي والعشرون، فإنه يفتتح شكلا جديدا من أشكال الهيمنة يبدو أكثر رقة ولطفا في ظاهره، غير أنه أشد تغلغلا ونفوذا، إذ أصبحت قيمة الوجود الإنساني ذاته مرهونة بمدى الامتثال السلوكي لمعايير المنظومات الرقمية.

ولم يعد الإنسان يُقوَّم انطلاقا من أفعاله أو أفكاره أو مسؤوليته الأخلاقية فحسب، فقد صار يخضع لتقييم لحظي ومستمر، يقيس مدى قدرته على إنتاج مؤشرات للفضيلة تنسجم مع متطلبات البنيات الخوارزمية.

ولعل هذا التحول يأذن بولادة نظام حضاري جديد، تُدار فيه البشرية بواسطة مقاييس انفعالية وعاطفية، وتتراجع فيه الكرامة الأصيلة للشخص الإنساني لصالح الاعتراف الاجتماعي الذي تمنحه منظومات التقييم.

-Iالحوكمة بالأرقام

كان عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم يرى أن التضامن يشكل الملاط الخفي الذي تتماسك به المجتمعات، فهو توافق ضمني على مصير مشترك، يقوم على الثقة المتبادلة والتكافل الإنساني. وكان هذا التضامن يفترض وجود رابطة اجتماعية ذات عمق، تقوم على الاعتراف الضمني بهشاشة الإنسان ونقصه الملازم لطبيعته.

غير أن عصرنا يبدو وكأنه يستبدل بهذا المنطق شكلا آخر من التنظيم الاجتماعي، يمكن تسميته “الملاءة الأخلاقية”.

فلم تعد قيمة الفرد تستند، في المقام الأول، إلى نفعه الفعلي، أو إلى خبرته، أو إلى نزاهته الهادئة، أو إلى انخراطه الحقيقي في خدمة المجتمع، وإنما أصبحت رهينة قدرته على إنتاج آثار رقمية قابلة للاستثمار والتثمين: آراء عامة مصاغة وفق المعايير السائدة، واحتجاجات أخلاقية منسجمة مع التوجه العام، وتعاطف معلن، ومواقف فورية، وحضور عاطفي ظاهر للعيان.

وهكذا يندمج رأس المال الاجتماعي برأس المال الخوارزمي، لتتحول كل تفاعلات الإنسان إلى بيانات قابلة للاستغلال، وكل رد فعل إلى وحدة جديدة في رصيده الاعتباري، وكل موقف رمزي إلى عنصر يغذي سوقا ضمنية للفضيلة.

إننا ندخل، بذلك، عصر اقتصاد أخلاقي يقوم على الظهور والمرئية.

وفي هذا العالم، يصبح من يحجم عن عرض إحسانه أو عن إشهار تعاطفه موضع ريبة. أما من ينجز أعمال الخير في صمت، بعيدا عن الأضواء، فإنه يبدو، في نظر المجتمع الرقمي، شخصا غامضا اجتماعيا. ويُفسَّر غياب الظهور على أنه غياب للالتزام، حتى يغدو الامتناع عن إعلان التعاطف قريبا من الاتهام بانعدام التعاطف نفسه.

ومن هنا تنشأ صورة جديدة من صور الإقصاء، يمكن تسميتها “الإعسار الاعتباري”.

فالإقصاء في عصرنا لم يعد يحتاج إلى السجون أو الأغلال، وإنما يكفي أن تُقلَّص مساحة ظهور الفرد، وأن يُقصى من دوائر الانتباه، وأن يتحول إلى كائن عديم الأثر داخل الفضاء الرقمي. وهكذا يسبق الاختفاء الاجتماعي المحو الرمزي للإنسان ذاته.

-IIهندسة التعاطف

تتمثل إحدى أكثر التحولات إثارة للقلق في عصرنا في ظهور نمط جديد من الحوكمة، يقوم على توظيف الشعور بالذنب الأخلاقي بوصفه أداة لإدارة السلوك الاجتماعي.

ففي الماضي، كانت السلطة تفرض الطاعة عن طريق الخوف والعقاب. أما اليوم، فإنها تستميل الأفراد إلى الامتثال من خلال عملية متواصلة لإضفاء الطابع الأخلاقي على السلوكيات. ولم يعد الضبط الاجتماعي يتجلى في صورة المنع الصريح أو القمع المباشر، صار يرتدي وجها مطمئنا يحمل شعارات الرعاية والحماية واللطف والأمن النفسي.

وهنا تكمن خطورة هذا النمط الجديد من الهيمنة، إذ إنه يقدم نفسه على أساس أنه ارتقاء أخلاقي، لا وسيلة للسيطرة.

إننا نشيد، شيئا فشيئا، ما يصح أن نطلق عليه اسم “الغولاغ الزجاجي”، أو فضاء شفيفا، نظيفا، فائق الاتصال، يبدو وكأن كل شيء فيه قد صُمم لتوفير الراحة في العلاقات الإنسانية، غير أن أدنى خروج عن النسق المألوف يثير الشك والريبة. فالخشونة الطبيعية في الشخصية الإنسانية تُعامل باعتبارها خللا ينبغي إصلاحه، كما يُنظر إلى التردد، والغضب، والشك، والسخرية، على أنها أعراض لا تليق بمجتمع يسعى إلى الانسجام الدائم.

وفي ظل هذا النظام، لم تعد المعارضة تُقمع بصورة مباشرة، وإنما يجري تحييدها عبر الإخفاء الخوارزمي. فالنظام لا يعتقل المعارض، ولا يزج به في السجن، إنه ببساطة يتوقف عن منحه الوجود داخل الفضاء الرقمي. فيختفي من تدفقات المعلومات، ويُستبعد من دوائر الثقة، ويفقد خطابه قدرته على الانتشار والتأثير، ليتحول تدريجيا إلى شبح اجتماعي.

إنها طفرة عميقة في مفهوم السلطة، إذ لم يعد النفي عقوبة جغرافية تُبعد الإنسان عن وطنه، لقد صار نفيا رقميا ورمزيا. يظل الفرد حاضرا بجسده داخل المجتمع، لكنه يسحب من دائرة الاعتراف الجماعي، وكأنه لم يعد موجودا في الوعي العام.

-IIIصرخة ما يستعصي على القياس

هنا تتجلى القضية الفلسفية والسوسيولوجية الأهم في زمننا: الدفاع عما لا يمكن إخضاعه للحساب والقياس.

فالإنسان لا يمكن اختزاله في مجموعة من البيانات السلوكية أو المؤشرات الرقمية. إنه كائن تتنازعه التناقضات، وتكتنفه مناطق من الصمت والغموض، وتحركه اندفاعات لا تخضع دائما لمنطق العقل، وتحفظه ولاءات لا يراها أحد، وتغذيه رغبات لا تقاس بمنطق الإنتاج والمنفعة. ومن هنا تنبع عظمته الحقيقية، من كل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 17 ساعة
هسبريس منذ 20 ساعة
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 15 ساعة
موقع بالواضح منذ ساعتين
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة
Le12.ma منذ 21 ساعة
هسبريس منذ 10 ساعات