تشريح “النفاق الباريسي” .. “بيغاسوس” يفضح انتقائية وازدواجية الإعلام الفرنسي

لم يكن مستغرباً أن تسارع وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) إلى التقاط وتعميم قصاصة إخبارية تتغنى بتقرير أعادت تركيبه من المتلاشيات منظمة العفو الدولية، تدعي فيه، بأسلوب لا يخلو من الإنشائية الدرامية، أن السلطات في المغرب “تدير منظومة مراقبة ضخمة وواسعة النطاق”، زاعمة توظيف أدوات رقمية للتعقب وتكميم الأفواه.

هذا التقرير الذي حمل عنواناً سينمائياً مثيراً: “نحن نبدأ بالحكم: في قلب منظومة المراقبة المغربية”، يعيد إنتاج نفس السردية البالية التي طالما استهدفت المملكة المغربية ومصالحها الأمنية، متجاهلاً أبسط قواعد الإثبات التقني والقانوني المفترضة أولا في منظمة تدعي النضال الحقوقي الدولي، ثم في وكالة أنباء رسمية يفترض أنها ملمة بأخلاقيات وثوابت الإعلام والصحافة.

لكن ما يثير الاشمئزاز، حقاً، ليس تقرير منظمة العفو بحد ذاته، لأنه يعيد إنتاج نفس المزاعم، بل التوظيف الممنهج والانتقائي الذي يمارسه الإعلام الفرنسي، الرسمي منه والخاص، لخدمة أجندات سياسية تتخفى خلف يافطة “حقوق الإنسان” وحرية التعبير. ذلك أن تفكيك الرواية الفرنسية، ومقارنتها بالواقع الاستخباراتي والسياسي لدولة فرنسا نفسها، يكشف عن واحدة من أكبر فضائح النفاق السياسي وازدواجية المعايير في التاريخ الدبلوماسي والإعلامي المعاصر.

بيت الزجاج الفرنسي

تصور الآلة الإعلامية الفرنسية بطريقة ممنهجة ومضللة برمجية “بيغاسوس” كأداة قمع شيطانية حصرية تُستخدم من قبل دول الجنوب، وفي مقدمتها المغرب. لكن الوثائق والمستندات تكشف عن حقيقة مخجلة تعرت أمام الرأي العام الدولي: فالدولة الفرنسية ذاتها كانت تلهث وراء امتلاك هذا البرنامج!.

ففي الوقت الذي كانت فيه المنابر الفرنسية تدبج المقالات حول “خطورة” البرنامج المعلوماتية، كانت المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسي (DGSI) تفاوض سراً، حتى عام 2021، لاقتناء “بيغاسوس”، بل ورُصدت ميزانية ضخمة تتراوح بين 60 و80 مليون يورو لإتمام الصفقة. ولم تتوقف العملية نتيجة صحوة أخلاقية، بل لأن الرئيس إيمانويل ماكرون تراجع في اللحظات الأخيرة خوفاً من المخاطر المتعلقة بالتجسس على السياسيين والصحفيين الفرنسيين والأجانب.

وتزداد المفارقات غرابة وصفاقة، حين نعلم بأن فرنسا، التي نصبت نفسها قاضياً أخلاقياً على دول العالم، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام عراقيل اقتناء التكنولوجيا الإسرائيلية، بل سارعت إلى تطوير برنامجها الخاص للتجسس الرقمي تحت اسم “Predator” (المفترس)، وذلك عبر تحالف “Intellexa”.

والأدهى أن هذا المشروع حظي بمباركة رئاسية شخصية، وبتمويل مباشر من وزارة المالية الفرنسية التي كان يقودها برونو لومير. وتؤكد مصادر استخباراتية موثوقة أن قدرات “بريداتور” الفرنسي على الاختراق تتجاوز بكثير نظيره الإسرائيلي، لكونه يمتلك قابلية للتكامل مع برامج أخرى واختراق الأجهزة مهما كانت التحصينات. فكيف تستقيم إدانة “بيغاسوس” المزعوم في يد المغرب، رغم النفي القاطع من جانب المملكة المغربية، بيد أن السلطات الفرنسية تمعن في تمويل وتطوير “بريداتور” في أقبية باريس؟

“توسكان” وتصدير القمع

تكشف ازدواجية المعايير عن وجهها الأقبح عند النظر إلى الخط التحريري لكبريات الصحف الفرنسية، وعلى رأسها صحيفة “لوموند”. ففي عام 2021، خصصت هذه المنابر مساحات شاسعة لتغطية تسريبات منظمة “فوربيدن ستوريز” (Forbidden Stories)، واستهلكت آلاف الأطنان من الحبر لاتهام المغرب باختراق هواتف مسؤولين فرنسيين، بمن فيهم ماكرون. ورغم النفي المغربي القاطع وتحدي الرباط للمنظمات بتقديم أدلة تقنية ملموسة للقضاء، استمر الإعلام الفرنسي في تبني الرواية الاتهامية كحقيقة مُنزَّلة.

وفي المقابل، تعامل هذا الإعلام نفسه بتكتم شديد وتجاهل مريب مع تحقيقات استقصائية (مثل تقارير موقع Disclose ومجلة Der Spiegel) والتي كشفت بأن الاستخبارات الداخلية الفرنسية حصلت على موافقة رئاسية سرية -بدأت في عهد فرانسوا هولاند وامتدت لعهد ماكرون- لتطوير برنامج تجسس محلي مرعب يُدعى “توسكان” (Touscan)، عبر شركة “NexaTechnologies”. هذا البرنامج الذي يمتلك قدرات اختراق شاملة تضاهي، إن لم تتفوق، على “بيغاسوس”.

أكثر من ذلك، تتغاضى وتتغافل أجزاء واسعة من الإعلام الفرنسي تماماً عن حقيقة تورط شركات فرنسية (مثل Amesys وNexa) في بيع وتصدير أنظمة مراقبة جماعية واختراق لأنظمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي قضايا واجهت مسارات قضائية بطيئة وخجولة داخل فرنسا، بعيداً عن الصخب الإعلامي الذي يُفتعل حين يتعلق الأمر تحديدا بالمغرب.

النظرة الاستعمارية

إن الانتقائية الفجة التي يمارسها تحالف “Forbidden Stories” وتتكلف بأذرعها الإعلامية وكالات أنباء ومنابر إعلامية فرنسية، تطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا هذه الحملة المسعورة على “بيغاسوس” بالذات، وتحديداً إلصاق تهمة استخدامه بالمغرب، في وقت يعج فيه العالم ببرمجيات تجسس أمريكية وإيطالية وبريطانية وإسرائيلية تباع وتُشترى يومياً، وتستخدمها فرنسا ذاتها؟

الجواب لا يتطلب الكثير من التأويل. إنه يعكس “نظرة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
بلادنا 24 منذ 9 ساعات
أحداث الداخلة منذ 29 دقيقة
موقع بالواضح منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 10 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
موقع بالواضح منذ 59 دقيقة