في المغرب، يختار الناس نهاية الأسبوع لإقامة الأعراس. تجتمع العائلة، ويحضر الأقارب، وتلتقط الصور، لكن الزواج يكون، في الغالب، قد حسم قبل وصول المدعوين. ومن يتابع مشاورات تشكيل الحكومة، وانتظار بعض الأحزاب انعقاد أجهزتها الوطنية يومي السبت والأحد، قد يتساءل: هل تجتمع هذه الأجهزة لتقرر فعلا، أم لتحضر حفلا تقرر موعده ومضمونه سلفا؟
المشاورات الحكومية ليست مجرد زيارات بروتوكولية. إنها، في الأنظمة البرلمانية التي لا تمنح فيها الانتخابات أغلبية لحزب واحد، مرحلة سياسية قائمة بذاتها. فالناخبون يوزعون المقاعد، وعلى الأحزاب أن تحول هذا التوزيع إلى اتفاق على الحكم. من يتحالف مع من؟ وعلى أي برنامج؟ وما الذي يحتفظ به كل حزب من وعوده، وما الذي يقبل بالتنازل عنه؟
ببلادنا، يجعل النظام الانتخابي حصول حزب على أغلبية منفردة أمرا صعبا، وإن لم يكن مستحيلا قانونا. لذلك، فالتنافس لا ينتهي بإعلان النتائج.
في التجارب الديمقراطية، يحافظ المتنافسان الرئيسيان على المسافة بينهما، حتى يبقى أمام الناخب بديل يمكنه اختياره في الاستحقاق المقبل. لكن ذلك ليس قاعدة مطلقة. فقد جمعت ألمانيا، مثلا، الاتحاد المسيحي والديمقراطيين الاجتماعيين في ائتلافات كبرى.
بعد سقوط جدار برلين، شاع خطاب يعتبر أن الفوارق بين اليمين واليسار فقدت معناها، وأن انتصار النموذج الليبرالي وضع الجميع أمام طريق واحد. لكن سقوط الجدار لم يسقط اختلاف المصالح والتصورات داخل المجتمعات. بقي اليمين يمينا واليسار يسارا، وتجددت تيارات دينية وقومية، وصعد اليمين المتطرف. فالخلاف حول الضرائب وتوزيع الثروة والخدمات العمومية والحريات ليس خلافا بين تسميات قديمة، بل بين اختيارات تمس حياة الناس. وحين يطلب من المواطن أن يرى الأحزاب متشابهة، فإننا ندفعه إلى اختصار السياسة بالمثل المغربي: «ولاد عبد الواحد كلهم واحد».
وكانت مارغريت تاتشر تردد عبارة «لا بديل» دفاعا عن سياستها الاقتصادية. غير أن ما يصلح شعارا لحشد التأييد لا ينبغي أن يصبح تعريفا للسياسة؛ لأن مناقشة البدائل والاختيارات هي وظيفة السياسة الحقيقية. فليس أخطر على الحياة السياسية من أن تتعدد الأحزاب، وتختفي الخيارات.
ولفهم ما تحمله الأحزاب إلى طاولة المشاورات، يساعدنا علم السياسة على التمييز بين ثلاثة دوافع: الرغبة في تنفيذ السياسات، والرغبة في تولي المناصب، والحسابات الانتخابية المقبلة.
من هذه الزاوية، تبدو فاطمة الزهراء المنصوري أمام مشاورات ميسرة سياسيا. فقد أعلن العدالة والتنمية وتحالف اليسار اختيارهما عدم المشاركة، بينما أبدت أحزاب أخرى استعدادها، أو أحالت الحسم إلى أجهزتها. بذلك، بدأت تتضح حدود المعارضة ودائرة الشركاء المحتملين منذ الجولة الأولى.
ومن المعلوم أن اختيار المعارضة ليس فضيلة أو طهرانية في ذاته، كما أن المشاركة ليست تهمة. فالوضوح هو الفضيلة السياسية؛ أي أن يعرف الناخب لماذا يشارك حزبه، ولماذا يمتنع، وما العلاقة بين موقعه الجديد والخطاب الذي طلب به صوته.
أما حين تتسابق أحزاب مختلفة المرجعيات إلى إعلان الاستعداد، من دون أن يظهر للرأي العام خلاف حول سياسة أو شرط يتعلق ببرنامج، فإن التفاوض يفقد معناه. وتصبح رئيسة الحكومة أمام وفرة في الشركاء، يصبح السؤال الوحيد من تختار ?
هنا لا يكون انعقاد المجلس الوطني أو اللجنة المركزية أو غيرهما دليلا على الديمقراطية الداخلية، ما دام ليس أمام المجتمعين خيارات حقيقية، وإنما مجرد التصديق التنظيمي على قرار جاهز.
وعندئذ تشبه اجتماعات السبت والأحد أعراس نهاية الأسبوع: يحضر الجميع ليباركوا ارتباطا سبق الاتفاق عليه. غير أن قواعد الحزب ليست ضيوفا، وناخبيه ليسوا مدعوين إلى وليمة. إنهم أصحاب الحق في معرفة ما الذي سيحمله حزبهم إلى الحكومة، وما الذي سيحاسبونه عليه بعد ذلك.
قد تكون سهولة تشكيل الحكومة خبرا جيدا للاستقرار، لكنها لا تكفي لتكون خبرا جيدا للسياسة.
فالمفروض أن الأصعب بالنسبة للحزب ليس الحصول على مقعد، وإنما إقناع الناس ومناضليه بأنه يستحق الجلوس عليه.
وفاطمة الزهراء المنصوري، القادمة من مراكش، تعرف أن الطنجية الجيدة تحتاج إلى ساعات طويلة من الإنضاج على مهل.
وبين ما يقال وما لا يقال، يبدو أن الرئيسة لن تحتاج إلى كل ذلك الصبر: فالشركاء المحتملون جاهزون، والرغبة في المشاركة سبقت النقاش حول شروطها. وبالتالي، فإن سيدة البيت ليست أمام إعداد طنجية، بل أمام تناول آيس كريم يكفي أن تختار النكهة.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
