لندن التي رأت عمان

لندن مدينةٌ تحفظ في حجارتها حكايات الملوك، وفي شوارعها آثار قرونٍ صنعت تحولات العالم.وعلى ضفاف نهر التايمز، حيث يقف برج بيغ بن شاهدًا على مرور الزمن، وحيث تمتد ذاكرة إمبراطوريةٍ وُصفت يومًا بأنها لا تغيب عنها الشمس، تتجاور صفحات الماضي مع مشاهد الحاضر. وفي مدينةٍ تعرف معنى التاريخ، جاءت زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم- أيده الله- لتضيف إلى هذه الذاكرة حكايةً عُمانية تحمل ملامح وطنٍ نعتز به، وقيادةٍ نحبها، وتاريخٍ لا يزال يكتب فصوله.ففي قلعة ويندسور، تقدمت الخيول، ورفرفت الأعلام، واصطفت فرق الحرس، ودوت المدافع تحيةً ملكيةً لجلالة السلطان.كان مشهد الاستقبال مهيبًا، لكن للمشهد عند العُماني معنى يتجاوز المراسم؛ فحين يرى سلطان بلاده في ذلك المقام، لا يرى شخصًا يستقبله ملكٌ فحسب، بل يرى وطنًا يحمله السلطان في حضوره، وتاريخًا يستحضره، وشعبًا يجد في هذه اللحظة ما يجدد اعتزازه بانتمائه. للهيبة أسرارٌ لا تختصرها المراسم، وللمحبة معانٍ لا تحتاج إلى كثيرٍ من الكلام.وحين نرى جلالة السلطان في مثل هذه المحافل، نشعر بأن عُمان حاضرةٌ معنا؛ بتاريخها وأرضها وأهلها، وبما صنعته الأجيال التي سبقتنا، وبما نرجوه للأجيال التي ستأتي بعدنا.تلك فرحة المواطن حين يرى وطنه حاضرًا في المشهد الدولي، ويراها فرصةً لاستحضار ما يجمعه ببلاده من محبةٍ ووفاء. وليس غريبًا أن تحضر عُمان في مدينةٍ ارتبط تاريخها بالبحار والتجارة والرحلات البعيدة؛ فعُمان نفسها عرفت البحر طريقًا إلى العالم، لا حدًا ينتهي عنده الطريق.حملت سفنها اللبان والبضائع، وعرف بحّارتها مسالك المحيط الهندي، وربطت موانئها بشعوبٍ وثقافاتٍ متعددة.ومن تلك الرحلات نشأت صلاتٌ تجاوزت حدود الجغرافيا، وبقيت آثارها حاضرةً في ذاكرة التاريخ. وحين استعاد الملك تشارلز الثالث جانبًا من هذه الحكاية في كلمته، بدا تاريخ عُمان البحري حاضرًا في قاعة وندسور؛ تاريخ أناسٍ عرفوا البحر، وخاضوا الرحلات، ومدّوا جسور التواصل مع العالم.لم تكن تلك مجرد إشارةٍ إلى ماضٍ بعيد، بل تذكيرًا بأن للأوطان حكاياتٍ لا تنتهي بانتهاء زمنها، وإنما تظل حاضرةً كلما وجدت من يستعيدها ويفهم ما تحمله من معانٍ. وفي كلمته، أعاد جلالة السلطان بدوره إلى الذاكرة صورة البحّارة والسفن التي ربطت البلدين، مستحضرًا سفينة الصداقة التي تواصل إبحارها مهما تعاقبت الأنواء. إنها صورةٌ تختصر معنى العلاقة التي تمتد عبر الزمن؛ فالسفن لا تختار أحوال البحر، لكنها تحتاج إلى معرفة الطريق وحسن القيادة، كما تحتاج العلاقات بين الدول إلى الثقة والاحترام والقدرة على تجاوز تغير الظروف. واستحضر جلالته معاهدة عام 1800، وما حملته من تعبيرٍ عن أملٍ في استمرار الصداقة ما دامت الشمس والقمر يواصلان دورتيهما.ومضت أكثر من قرنين على ذلك العهد، وتعاقبت أجيالٌ وتبدلت أحوال العالم، لكن العلاقات تواصل بناء صفحاتٍ جديدة من التعاون. وهنا تتجلى قيمة التاريخ؛ فهو ليس ذكرى نعود إليها لمجرد الاعتزاز، بل مسؤوليةٌ تجعل الحاضر جديرًا بما ورثه من روابط، وتجعل المستقبل امتدادًا لما نحرص على صونه وتنميته. ولعل ما يمنح هذه الزيارة بُعدها الأعمق هو ما قاله جلالة السلطان عن نهج عُمان في التعامل مع العالم.ففي عالمٍ تفوح فيه رائحة البارود وتقرع فيه طبول الحرب، أكد جلالته أن عُمان اختارت الحوار والتفاهم والسلام، وأن الأمة الحكيمة تختار الإصغاء؛ ثم عبّر عن معنى بالغ الدلالة حين أشار إلى أن عُمان اختارت أن تُصغي، ووجدت في ذلك قوةً لا تستطيع الجيوش توفيرها. هذه ليست مجرد عبارةٍ تُقال في خطابٍ رسمي، بل فكرةٌ تستحق أن نتوقف


هذا المحتوى مقدم من عصب عُمان

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من عصب عُمان

منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 16 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 14 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 15 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 14 ساعة
عُمان نيوز منذ 20 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 15 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 19 ساعة
هلا أف أم منذ 22 ساعة