جو24- لا تنحصر أهمية الانتخابات الإسرائيلية في تحديد الشخص الذي سيتولى رئاسة الحكومة، بل تمتد إلى السياسات التي ستتبناها الحكومة المقبلة، ومدى تأثيرها في القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي ومصالح الدول العربية المحيطة بإسرائيل. فالسؤال بالنسبة إلى الأردن والمنطقة ليس فقط: من سيحكم إسرائيل؟ بل: هل ستتغير السياسات التي أسهمت في استمرار الصراع، أم ستتبدل القيادة بينما تبقى مصادر التوتر قائمة؟
قد يغيّر رئيس وزراء جديد لغة الخطاب، وأسلوب إدارة العلاقات الدولية، وترتيب الأولويات، من دون أن يُحدث تحولًا جوهريًا في التعامل مع الأراضي المحتلة أو الحقوق الفلسطينية. وفي المقابل، لا يجوز إهمال الفروق بين القيادات والأحزاب؛ فالقرارات الحكومية تستطيع تقليل المخاطر أو تصعيدها. لذلك، يتطلب التقييم المتوازن النظر إلى هوية القيادة، وتركيبة الائتلاف، وبرنامجه، وقدرته على التنفيذ، ثم الحكم على الممارسات الفعلية.
يمثل بنيامين نتنياهو نهجًا سياسيًا معروفًا يقوم على التشديد على الردع العسكري، والاعتماد على تحالفات قومية ودينية، والتحفظ الشديد تجاه قيام دولة فلسطينية ذات سيادة. أما البدائل السياسية، بما فيها شخصيات ذات خلفية عسكرية مثل غادي آيزنكوت، فقد تطرح اختلافات في إدارة الحكم والمساءلة والعلاقات الدبلوماسية، لكن وصولها إلى السلطة لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتغيير استراتيجي شامل.
فالحكومة الإسرائيلية لا تتحرك بإرادة رئيسها وحده، وإنما ضمن مؤسسات أمنية وعسكرية، وتوازنات حزبية، واتجاهات شعبية، والتزامات دولية. ولهذا، فإن اختزال مستقبل المنطقة في بقاء نتنياهو أو رحيله يضعف التحليل. والأجدى هو السؤال عما يستطيع أي رئيس وزراء تغييره، وما يرغب في تغييره فعلًا، وما إذا كان شركاؤه سيسمحون له بذلك.
يبقى الخطر الأكبر هو استمرار القضية الفلسطينية دون تسوية سياسية عادلة وقابلة للاستمرار. فقد أظهرت التجربة أن إدارة الصراع بالترتيبات الأمنية والمبادرات الاقتصادية والتهدئة المؤقتة لا تعالج جذوره. وقد تنجح هذه الأدوات في تأجيل الانفجار أو تخفيف حدته، لكنها لا تستطيع أن تحل محل معالجة قضايا الاحتلال والسيادة والحقوق وتقرير المصير.
وأي حكومة تواصل التعامل مع الفلسطينيين باعتبار قضيتهم ملفًا أمنيًا فقط ستبقي عوامل التصعيد قائمة. فغياب الأفق السياسي، وتوسع الاستيطان، وتقييد الحركة، وتدهور الظروف المعيشية، تغذي بيئة يصعب فيها بناء الثقة. كما أن تكرار المواجهات يضاعف الخسائر الإنسانية، ويعمق العداء، ويجعل التسوية اللاحقة أكثر صعوبة وكلفة.
وفي المقابل، فإن الحكومة التي تختار مسار التفاوض ستواجه عقبات حقيقية، تشمل المعارضة الداخلية والانقسام الفلسطيني وانعدام الثقة والخلاف على الترتيبات الأمنية. لكن صعوبة التسوية لا تجعل استمرار الصراع خيارًا مستدامًا. فالقيادة السياسية تُختبر بقدرتها على تحويل الأهداف العامة إلى خطوات عملية، وضمانات متبادلة، والتزامات يمكن التحقق من تنفيذها.
بالنسبة إلى الأردن، ترتبط هذه التطورات مباشرة بالأمن الوطني. فالقرارات المتعلقة بالضفة الغربية والقدس والحدود وحركة السكان ليست قضايا بعيدة عن مصالح الدولة الأردنية، بل تمس استقرارها وسيادتها وعلاقاتها الخارجية. ولهذا، يجب أن يستند الموقف الأردني إلى ثوابت وطنية واضحة، وإلى استعداد مؤسسي للتعامل مع مختلف الحكومات الإسرائيلية.
ويأتي التهجير القسري للفلسطينيين، أو خلق ظروف تدفعهم إلى مغادرة أرضهم، في مقدمة المخاطر التي تستوجب المتابعة والوقاية. فمحاولات تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن مرفوضة، ولا يجوز أن تتحول الإجراءات الميدانية المتراكمة إلى واقع يُفرض لاحقًا باعتباره أمرًا لا يمكن تغييره. وتقتضي الوقاية رصد المؤشرات المبكرة والتحرك قبل استفحال الأزمة.
كما تظل القدس والمقدسات والوصاية الهاشمية من الملفات الأساسية. فالإجراءات التي تمس الوضع التاريخي والقانوني القائم قد تتجاوز آثارها الموقع الذي تقع فيه، لتثير توترات سياسية وشعبية أوسع. ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين الموقف الأردني الواضح، والعمل القانوني والدبلوماسي المستمر، والتنسيق العربي والدولي، والحفاظ على قنوات فعالة لإدارة الأزمات.
ولا تُغني معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عن معالجة أسباب التوتر. فهي توفر إطارًا قانونيًا ودبلوماسيًا للعلاقة، لكن استمرار السياسات التي تضر بالحقوق الفلسطينية أو تمس المصالح الأردنية يضع هذه العلاقة تحت ضغط متزايد. والاستراتيجية الأردنية مطالبة باستخدام أدواتها السياسية بكفاءة، وربط التعاون بالمصالح الوطنية والالتزامات القائمة.
أما الخطر العسكري، فيرتبط بتداخل ساحات الصراع. فالقرار الذي يُتخذ بشأن غزة أو لبنان أو سوريا أو إيران قد يطلق سلسلة من الردود تتجاوز أهدافه الأصلية. وقد تجد الدول العربية المحيطة بإسرائيل نفسها أمام تداعيات أمنية واقتصادية، حتى عندما لا تكون طرفًا في المواجهة أو راغبة في الانخراط فيها.
ولا ينشأ التصعيد دائمًا من خطة متعمدة لحرب واسعة؛ فقد يبدأ بسوء تقدير، أو معلومات غير دقيقة، أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر، ثم يتوسع تحت ضغط الردود المتبادلة. وتزداد الخطورة عندما تغيب قنوات الاتصال، وتصبح الاعتبارات السياسية الداخلية جزءًا من حسابات القرار العسكري، أو تُترك الأهداف السياسية غامضة.
لهذا، يجب تقييم أي حكومة إسرائيلية وفق قدرتها على ضبط استخدام القوة وربطه بأهداف سياسية واقعية. فالنجاح العسكري في عملية محددة لا يعني بالضرورة تحسن البيئة الاستراتيجية. وقد يؤدي تدمير قدرات طرف مسلح إلى مكاسب مؤقتة، بينما تتوسع دائرة العداء وتزداد احتمالات المواجهة لاحقًا إذا بقيت أسباب الصراع دون معالجة.
وتضيف الائتلافات الحكومية مصدرًا آخر للمخاطر. فقد تكون لدى رئيس الوزراء رغبة في تخفيف.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
