أخبار
زكية المعمري لـ«الوصال»: العلاقات العُمانية البروناوية بدأت بالتجارة والإرث الإسلامي وتطورت إلى شراكة استثمارية.. وزيارة جلالة السلطان تتوج أكثر من 4 عقود من التعاون
زكية المعمري لـ«الوصال»: العلاقات العُمانية البروناوية بدأت بالتجارة والإرث الإسلامي وتطورت إلى شراكة استثمارية.. وزيارة جلالة السلطان تتوج أكثر من 4 عقود من التعاون نشر في: 4 نوفمبر 2026: 2:11 ص +04
الوصال ـ تمتد العلاقات بين سلطنة عُمان وبروناي دار السلام إلى مسارات تاريخية وحضارية سبقت العلاقات الدبلوماسية الحديثة، وأسهم البحر والتجارة والإرث الإسلامي في بناء جسور تواصل بين المنطقتين، وفق ما أوضحته زكية بنت سيف المعمري، عضوة الجمعية التاريخية العُمانية.
وبيّنت المعمري خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال، أن العلاقة بين البلدين يمكن وصفها بأنها علاقة تواصل وحوار وروابط أخوية متبادلة، تطورت عبر السنوات لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. وأشارت إلى أن استمرار التواصل بين الجانبين أسهم في توطيد هذه العلاقة وتوسيع مجالاتها، بما يعكس ما يجمع البلدين من مشتركات تاريخية وحضارية وثقافية.
ولفتت المعمري إلى أن الأبحاث التاريخية والأنثروبولوجية تشير إلى الدور الذي أداه البحر في ربط الشرق بالشرق الأقصى، عبر الطرق التجارية التي كانت تمر بين المنطقتين. وأضافت أن بعض الدراسات المعاصرة تشير إلى إسهام التجار المسلمين القادمين من الشرق الأوسط، ومن بينهم العُمانيون والحضارم، في إقامة مراكز تجارية ساحلية، ونقل نموذج من الممارسات والقيم الإسلامية إلى مجتمعات جنوب شرق آسيا.
وأوضحت أن هذا الحضور أسهم في إيجاد حالة من التفاعل والاحترام المتبادل، ومهّد لتداخل ثقافي شمل جوانب من اللغة والتقاليد والعادات. ورأت أن الإسلام واللغة العربية شكّلا جزءًا من مساحة التلاقي الحضاري التي ربطت المنطقة العربية بجنوب شرق آسيا عبر فترات تاريخية طويلة.
وعن زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى بروناي دار السلام، وصفت المعمري الزيارة بأنها محطة تاريخية تحمل دلالات سياسية وحضارية مهمة. وأوضحت أنها تمثل أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى بندر سري بكاوان منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1984، وتأتي تتويجًا لأكثر من أربعة عقود من العلاقات المستقرة.
وأشارت إلى أن سلطنة عُمان كانت من أوائل الدول التي مدت يد الصداقة إلى بروناي دار السلام عقب استقلالها، وهو ما أسس لعلاقة دبلوماسية تطورت بصورة متدرجة خلال العقود اللاحقة.
وبيّنت المعمري أن زيارة جلالة السلطان المعظم برفقة جلالة سلطان بروناي إلى دار الخزانة الإسلامية للمخطوطات وافتتاح معرض الصور المشترك تحمل دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي. وأضافت أن هذه المحطات تعكس الجذور الفكرية والحضارية المشتركة، وتبرز موقع الإرث الإسلامي في الربط بين العالم العربي ومنطقة جنوب شرق آسيا.
وأشارت إلى أن الصور والوثائق التاريخية المعروضة تتيح قراءة تطور العلاقات بين البلدين عبر مراحل مختلفة، وتحفظ جانبًا من الذاكرة الدبلوماسية المشتركة.
ومن الجانب الاقتصادي، أوضحت المعمري أن الزيارة حملت توجهًا نحو توسيع مجالات التعاون والاستثمار، وشهدت توقيع اتفاقيات في قطاعات من بينها الطاقة المتجددة والزراعة والاستزراع السمكي والخدمات اللوجستية. وأضافت أن هذه المسارات تدعم التوجه نحو التنويع الاقتصادي، وتتيح للبلدين استكشاف مجالات جديدة تقلل من الاعتماد على النفط والغاز. وأشارت إلى أن شركة عُمان وبروناي للاستثمار تمثل إحدى الأدوات المهمة في تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين، بما توفره من نافذة للاستثمار المشترك في قطاعات مختلفة.
وتوقفت المعمري عند أوجه التشابه بين سلطنة عُمان وبروناي دار السلام في المحافظة على الهوية الوطنية والموروث الثقافي. وأوضحت أن الشعبين يعتزان بتاريخهما وثقافتهما، ويحرصان على صون هويتهما مع مواكبة التطور الحديث، مشيرة إلى حضور الهوية الوطنية ضمن رؤية «عُمان 2040» ورؤية بروناي 2035.
وأضافت أن البلدين يمنحان اهتمامًا بحماية التراث الثقافي والتاريخي ونقله إلى الأجيال الجديدة عبر المتاحف والفعاليات الثقافية والبرامج التعليمية. وأشارت إلى تسجيل سلطنة عُمان عناصر تراثية في قوائم منظمة اليونسكو، من بينها الخنجر العُماني وفن العازي، فيما سجلت بروناي عناصر من تراثها التقليدي مثل الأزياء وبعض أشكال الشعر الملاوي.
ولفتت المعمري إلى أن مظاهر الاعتزاز بالتراث لا تقتصر على التسجيل والتوثيق، وإنما تظهر كذلك في تفاصيل الحياة اليومية. وأشارت إلى محافظة المجتمع العُماني على الدشداشة والمصر والخنجر والفنون والحرف التقليدية، في مقابل اعتزاز المجتمع البروناوي بملابسه الملاوية التقليدية وفنون النسيج والتطريز والحرف اليدوية. ورأت أن هذا التشابه في التعامل مع الموروث يعكس اهتمام البلدين بجعل الهوية جزءًا من مسار التنمية الحديثة، وليس مجرد عنصر تاريخي منفصل عنها.
واستعرضت المعمري المراحل التي مرت بها العلاقات الرسمية بين البلدين، موضحة أن المرحلة الأولى بدأت بإقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1984. وأضافت أن سلطنة عُمان افتتحت سفارتها في بندر سري بكاوان عام 1986، فيما افتتحت بروناي دار السلام سفارتها في مسقط في الأول من فبراير عام 1990. وأشارت إلى أن هذه المرحلة أسست للتمثيل الدبلوماسي المباشر، وفتحت المجال أمام توسيع التعاون إلى مجالات أخرى لاحقًا.
وبيّنت أن مرحلة أخرى من العلاقات بدأت في عام 1993 مع تأسيس اللجنة الاستشارية الثنائية بين وزارتي الخارجية في البلدين. وأوضحت أن اللجنة أصبحت إحدى القنوات الرئيسة للتنسيق السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، وأسهمت في تنظيم التواصل بين الجانبين وفتح ملفات تعاون جديدة.
وأضافت أن هذه الآلية ساعدت على الانتقال بالعلاقة من التواصل الدبلوماسي التقليدي إلى تعاون أكثر انتظامًا في ملفات متعددة.
وأشارت المعمري إلى أن العلاقات دخلت مرحلة اقتصادية أكثر وضوحًا بعد عام 2009 مع توقيع اتفاقية تأسيس شركة عُمان وبروناي للاستثمار. وأضافت أن الشركة بدأت برأس مال مشترك وتطور رأس مالها لاحقًا ليصل إلى 200 مليون دولار أمريكي، واتسع نشاطها ليشمل قطاعات الاستزراع السمكي والرعاية الصحية والاتصالات والخدمات الفندقية والسياحية.
ورأت أن هذه المرحلة نقلت العلاقات إلى مستوى جديد من الشراكة المباشرة، وربطت التقارب السياسي والدبلوماسي بمشروعات اقتصادية واستثمارية مشتركة.
وأكدت المعمري أن العلاقات العُمانية البروناوية تشهد حاليًا محطة استراتيجية جديدة توجتها زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ. وأضافت أن أهمية الزيارة لا تقتصر على كونها الأولى من نوعها، وإنما تأتي ضمن مسار ممتد بدأ بالتواصل التاريخي والحضاري، ثم تأسيس العلاقات الدبلوماسية، وتطور لاحقًا إلى تعاون اقتصادي واستثماري وثقافي أوسع.
ورأت أن ما يجمع سلطنة عُمان وبروناي دار السلام من إرث إسلامي وهوية وطنية واهتمام بالتراث، إلى جانب المصالح الاقتصادية المتنامية، يمنح العلاقة قاعدة واسعة لمزيد من التطور خلال المرحلة المقبلة.
لمتابعة برنامج «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
مقالات ذات صلة
هلال المعمري لـ«الوصال»: موقع عُمان وموانئها يمنحانها فرصة لتكون حلقة رئيسة في التجارة مع الصين.. والشراكة المقبلة تتجاوز التبادل التجاري إلى التقنية والطاقة والاستثمار
د. حصة البادي لـ«الوصال»: العمل خارج المحافظة لسنوات قد يترك الموظف معلّقًا بين مجتمعين.. وتقدير عطائه ودمجه مؤسسيًا ضرورة لتعزيز الانتماء والإنتاجية
حاتم الطائي لـ«الوصال»: الدقم وصلالة قادرتان على تحويل موقع عُمان إلى بوابة للصين نحو أسواق الهند وباكستان وإيران وشرق أفريقيا.. والزيارة فرصة لشراكة تتجاوز التجارة
هلال المعمري لـ«الوصال»: موقع عُمان وموانئها يمنحانها فرصة لتكون حلقة رئيسة في التجارة مع الصين.. والشراكة المقبلة تتجاوز التبادل التجاري إلى التقنية والطاقة والاستثمار نشر في: 3 نوفمبر 2026: 3:20 ص +04
آخر تحديث: 4 نوفمبر 2026: 1:35 ص +04
الوصال ـ اعتبر الشيخ هلال بن مرهون بن سالم المعمري، سفير متقاعد، أن العلاقات بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية انتقلت خلال السنوات الماضية إلى مرحلة أكثر اتساعًا، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وبحضور متنامٍ للشركات الصينية في عدد من المواقع الاقتصادية بسلطنة عُمان.
وأشار المعمري خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال، إلى أن العلاقات العُمانية الصينية تستند إلى جذور تاريخية، لكنها اكتسبت زخمًا أكبر مع نمو التبادل التجاري وتنوع المصالح المشتركة، لافتًا إلى وجود شركات ومؤسسات صينية في الدقم وصحار وصلالة. وأضاف أن الصين تعد شريكًا تجاريًا رئيسًا لسلطنة عُمان، مقدرًا حجم التبادل التجاري بين البلدين بنحو ملياري ريال عُماني، بما يعادل قرابة 33 مليار يوان صيني.
وأوضح المعمري أن العلاقات الدولية تقوم في جانب كبير منها على المصالح، مشيرًا إلى أن مساحة المصالح المشتركة بين سلطنة عُمان والصين اتسعت لتشمل الاستثمار والاقتصاد والتجارة والتقنية. ورأى أن هذا التنوع يمنح العلاقات قابلية أكبر للتوسع خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع الإمكانات التي تتمتع بها الصين في مجالات الصناعة والبنية الأساسية والتكنولوجيا والطاقة.
وأضاف أن وجود الاستثمارات الصينية في عدد من المناطق الاقتصادية العُمانية يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع الشراكات بما يخدم مصالح البلدين.
وحول فرص الالتقاء بين رؤية «عُمان 2040» ومبادرة «الحزام والطريق»، أشار المعمري إلى وجود مساحات واسعة للتكامل بينهما، خصوصًا في مجالات التنمية الاقتصادية والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. وأوضح أن الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان وإطلالتها على المحيط الهندي يمنحان الموانئ العُمانية أهمية خاصة في حركة التجارة والربط بين الأسواق. ورأى أن هذه الموانئ مهيأة لأداء دور أكبر في التواصل التجاري مع العالم، ولا سيما مع جمهورية الصين الشعبية، في ظل ما تمتلكه الصين من إمكانات كبيرة في الاقتصاد والتقنية والبنية الأساسية.
وتحدث المعمري عن مشاهداته خلال زيارة خاصة حديثة إلى الصين، مشيرًا إلى ما لمسه من تطور واسع في قطاعات متعددة. وقال إن سور الصين كان يوصف تاريخيًا بأنه من عجائب الدنيا، فيما يمكن النظر اليوم إلى مستوى التنمية الذي حققته الصين باعتباره لافتًا بحجم التحول الذي شهدته مختلف القطاعات.
وأشار إلى التطور في الطاقة والتقنية والزراعة والتعدين، إلى جانب البنية الأساسية والنقل، معتبرًا أن الصين باتت تمتلك حضورًا تنمويًا واسعًا في قطاعات مختلفة. وأضاف أن التقنية أصبحت جزءًا مباشرًا من الحياة اليومية هناك، سواء في الشوارع والمطارات ومحطات القطارات أو في وسائل النقل والسيارات.
ولفت المعمري إلى أن التجربة الصينية لا تقتصر على الحجم الاقتصادي، وإنما تمتد إلى التنظيم والتخطيط والمنشآت والبنية الأساسية. وأشار إلى أن وسائل النقل والقطارات والتقنيات المرتبطة بها تعكس حجم الاستثمار الذي قامت به الصين في تطوير بيئتها الاقتصادية والخدمية. ورأى أن الصين أصبحت إحدى الركائز المؤثرة في الاقتصاد العالمي، متوقعًا أن يتعاظم دورها مستقبلًا ضمن الاقتصادات التي تقود حركة النمو والتطور عالميًا.
وفي قراءته لتحولات العمل الدبلوماسي، أوضح المعمري أن الدبلوماسية في فترات سابقة كانت تميل بدرجة أكبر إلى الملفات السياسية وأهمية الموقع الجغرافي، فيما أصبح الاقتصاد اليوم حاضرًا بصورة أكثر تأثيرًا في العلاقات بين الدول. وأشار إلى أن الأدوات الاقتصادية لم تعد منفصلة عن السياسة، إذ بات الاقتصاد يستخدم في بعض الحالات للتأثير في الملفات السياسية والأمنية.
وأضاف أن ما يشهده العالم حاليًا يعكس تنامي وزن الاقتصاد في صياغة العلاقات الدولية، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. ورأى أن هذا التحول يجعل الدبلوماسية الاقتصادية أكثر أهمية لسلطنة عُمان، خصوصًا في علاقاتها مع القوى الاقتصادية الكبرى وفي مقدمتها الصين.
وحول زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهورية الصين الشعبية، أشار المعمري إلى أن سلطنة عُمان بنت علاقات طيبة مع مختلف دول العالم، وهو ما ينعكس في مستوى الترحاب الذي تحظى به الزيارات الرسمية لجلالة السلطان. ولفت إلى أن مراسم الاستقبال في الصين عكست أهمية الزيارة ومكانة العلاقات بين البلدين، واصفًا الاستقبال بأنه متكامل في مختلف جوانبه. وأكد أن كون جلالة السلطان أول سلطان عُماني يزور جمهورية الصين الشعبية يضفي على الزيارة بعدًا تاريخيًا، فيما تمنحها المصالح الاقتصادية والاستثمارية القائمة بين البلدين أهمية عملية تتجاوز الجانب البروتوكولي.
ورأى المعمري أن المرحلة المقبلة تتيح مجالًا واسعًا لتطوير التعاون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والقطاعات الاقتصادية الأخرى، مستفيدين من القدرات الصينية وما تملكه سلطنة عُمان من مقومات جغرافية واقتصادية. وأشار إلى أن تكامل الموقع العُماني مع الإمكانات الصينية يمكن أن يفتح مسارات إضافية للتجارة والاستثمار وربط سلاسل الإمداد، في وقت تتجه فيه العلاقات الدولية بصورة متزايدة نحو الشراكات القائمة على المصالح الاقتصادية والتنموية.
لمتابعة برنامج «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
د. حصة البادي لـ«الوصال»: العمل خارج المحافظة لسنوات قد يترك الموظف معلّقًا بين مجتمعين.. وتقدير عطائه ودمجه مؤسسيًا ضرورة لتعزيز الانتماء والإنتاجية نشر في: 3 نوفمبر 2026: 3:09 ص +04
الوصال ـ رأت الدكتورة حصة بنت عبدالله البادي، أكاديمية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية وكاتبة وشاعرة، خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال، أن الموظف الذي يقضي سنوات طويلة أو عقودًا في العمل خارج مجتمعه المحلي قد يجد نفسه عالقًا بين انتماءين؛ أحدهما للمكان الذي نشأ فيه، والآخر للمكان الذي يعمل فيه ويمنحه جانبًا كبيرًا من خبراته وجهده وحياته اليومية.
وأوضحت البادي أن ما أسمته «الاقتراب الوظيفي المكاني» ينشأ عندما يُعيّن الموظف في منطقة بعيدة عن مجتمعه الأصلي، ويقضي فيها سنوات طويلة يبذل خلالها طاقته وكفاءاته ومهاراته، في مقابل شعور قد يتولد لديه أحيانًا بأن المجتمع الجديد لا يعترف بالكامل بما قدمه له. وأضافت أن هذا الموظف يعيش في الوقت نفسه غربة أخرى تجاه مجتمعه الأصلي، إذ تؤثر سنوات البعد الطويلة في مستوى ارتباطه والتزامه الاجتماعي بالمكان الذي جاء منه، ما يخلق حالة مركبة لا تبدو ظاهرة من الخارج، رغم أنها حاضرة لدى عدد من الموظفين.
ولفتت البادي إلى أن القضية لا ترتبط فقط بالترقية أو الدخل المادي، وإنما تتصل بصورة أوسع بالاعتراف الاجتماعي والمؤسسي بالموظف الذي يعمل خارج محافظته. وأشارت إلى أن العدالة يمكن أن تظهر في الفرص والترقيات والامتيازات، لكن الأهم كذلك مراعاة الوضع الاستثنائي لهذا الموظف الذي يتحمل مشقة التنقل والبعد لسنوات طويلة.
وأضافت أن بعض الموظفين قد يُطلب منهم العمل والمشاركة في إعداد الفعاليات والمهام لفترات طويلة، لكنهم لا يجدون أنفسهم ضمن واجهة الاحتفاء بنتائج ما أنجزوه، فقط لأنهم لا ينتمون جغرافيًا إلى المنطقة التي يعملون فيها.
وبيّنت أن الإشكالية تظهر عندما يُنظر إلى الموظف باعتباره جزءًا من المؤسسة وقت العمل، لكنه يصبح خارج المشهد عند إبراز الإنجازات أو تمثيل المؤسسة اجتماعيًا. وقالت إن الموظف قد يكون في بعض الحالات من أبرز من أنجزوا العمل أو ساهموا في إخراجه، ثم لا يجد نفسه حاضرًا عند الاحتفاء بالنتيجة، وهو ما يولد لديه إحساسًا بعدم الاعتراف بعطائه. وأكدت أن هذه المسألة اجتماعية في جوهرها بقدر ما هي إدارية، لأنها تمس شعور الموظف بالقبول والانتماء إلى البيئة التي يعمل فيها.
ودعت البادي إلى مراجعة السياسات والممارسات المرتبطة بالموظفين الذين يعملون في مناطق بعيدة، خاصة من تستغرق رحلتهم إلى أسرهم ومجتمعاتهم الأصلية ساعات طويلة. ورأت أن مراعاة هذه الظروف يجب ألا تظل مرتبطة باجتهاد المسؤول وتقديره الشخصي، وإنما ينبغي أن تنعكس بصورة أوضح في اللوائح والسياسات الداخلية، بما يضمن قدرًا أكبر من العدالة بين الموظفين. وأشارت إلى أن بعض المسؤولين قد يبدون مرونة إنسانية تجاه هذه الحالات، في حين يتمسك آخرون بعدم وجود نص قانوني يفرض تلك المراعاة، وهو ما يدعو -بحسب رأيها- إلى تطوير الأطر المنظمة لتأخذ هذا البعد الاجتماعي في الاعتبار.
وأكدت البادي أن سلطنة عُمان لا ينبغي أن تتحول في التعامل الوظيفي إلى مربعات جغرافية مغلقة، يُهمش داخلها الموظف لأنه قادم من محافظة أخرى. وأوضحت أن قطاعات عديدة تضم موظفين يعملون خارج مناطقهم الأصلية، ومن بينهم العاملون في القضاء والجهات العسكرية والأمنية وغيرها، معتبرة أن استمرار التعامل معهم وفق منطق «أنت لست من هنا» لا يساعد على بناء شعور حقيقي بالانتماء إلى مكان العمل. وأضافت أن الموظف الذي يقدم جهده وخبرته لمجتمع آخر غير مجتمعه الأصلي يستحق تقديرًا إضافيًا لا تهميشًا، لأنه يوسع دائرة عطائه إلى ما هو أبعد من محيطه المحلي.
وأشارت البادي إلى أن أجيالًا من الموظفين انطلقت من فكرة خدمة سلطنة عُمان في أي مكان تحتاج فيه إلى جهودهم، دون اشتراط العمل داخل نطاقهم الجغرافي الخاص. وأضافت أن هذا الولاء العام للوطن يحتاج في المقابل إلى اعتراف مؤسسي واجتماعي بسنوات الموظف وجهده وعطائه للمكان الذي يعمل فيه.
وبيّنت أن كثيرًا من الموظفين لا يقتصر وجودهم في مناطق العمل على ساعات الدوام، وإنما يشاركون أيضًا في أنشطة مجتمعية مختلفة، ما يجعل علاقتهم بالمكان أعمق من مجرد وظيفة مؤقتة. وأكدت ضرورة إيجاد تواصل مؤسسي واجتماعي يعزز انتماء الموظف للمكان الذي يعمل فيه، من دون أن يقطع صلته بمجتمعه الأصلي، حتى لا يبقى عالقًا بين منطقتين دون شعور كامل بالانتماء لأي منهما.
ودعت البادي المسؤولين إلى عدم نقل صعوبات تجاربهم السابقة إلى موظفيهم الحاليين، معتبرة أن مرور المسؤول بظروف صعبة لا ينبغي أن يكون مبررًا لصناعة الظروف ذاتها لمن يعملون معه. وأشارت إلى أن تكرار عبارات مثل «عشنا أصعب من ذلك» لا يقدم حلًا للمشكلة، بل إن الأجدى الاستفادة من تلك التجارب لتخفيف العقبات أمام الموظفين.
وأكدت أن تسهيل ظروف الموظف لا يعني تحويل حياته إلى ترف، وإنما توفير بيئة تمكنه من أداء عمله بصورة أفضل، مشيرة إلى أن الموظف الذي يشعر بالرضا الوظيفي يكون أكثر قدرة على بذل جهد إضافي وتحسين إنتاجيته.
وشددت البادي على أهمية تجاوز الأسئلة المتعلقة بأصل الموظف ومحافظته والمنطقة التي جاء منها عند تقييم دوره داخل المؤسسة. ورأت أن تنوع الموظفين القادمين من مناطق مختلفة يمكن أن يصنع تجربة مؤسسية أكثر ثراءً، لأن كل فرد يحمل معه خبرة وتجربة اجتماعية يمكن أن تضيف إلى بيئة العمل.
وأضافت أن القيم العامة واحدة في مختلف محافظات سلطنة عُمان، لكن تنوع التجارب المحلية يمكن أن يخلق صورة تكاملية أجمل داخل المؤسسات إذا جرى استثماره بصورة إيجابية. وأكدت أن الهدف هو بناء بيئة لا يشعر فيها الموظف بأنه غريب عن المكان الذي يعمل فيه، ولا يفقد في الوقت نفسه ارتباطه بالمكان الذي جاء منه، بحيث يصبح الانتماء للوطن هو الإطار الأوسع الذي يجمع الجميع.
لمتابعة برنامج «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
حاتم الطائي لـ«الوصال»: الدقم وصلالة قادرتان على تحويل موقع عُمان إلى بوابة للصين نحو أسواق الهند وباكستان وإيران وشرق أفريقيا.. والزيارة فرصة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من إذاعة الوصال
