محمد بن حمد البادي
من يُشكِّل وعي المجتمع؟ ومن يُحدِّد القضايا التي تستحق انشغاله؟ ومن يمنح بعض الأصوات نفوذًا واسعًا، بينما يترك أهل العلم وأصحاب الخبرة والمعرفة والإنجاز خارج دائرة الاهتمام؟ كيف يمكن لموضوع تافه وسطحي وسخيف أن يستحوذ على نقاش المجتمع لساعات، بل يمتد أحيانًا إلى أيام، بينما لا تحظى القضايا الجادة والمصيرية وما نعده أولويات وطنية بالاهتمام نفسه؟
لم يعد وعي المجتمع في العصر الرقمي يتشكل عبر المجالس والمقاهي ووسائل الإعلام التقليدية وحدها؛ فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي طرفًا مؤثرًا في توجيه الاهتمامات وصناعة الأولويات، فخلف الشاشات الصغيرة تعمل خوارزميات دقيقة ومعقدة لتعيد ترتيب المحتوى وفق مؤشرات التفاعل، فتدفع بعض الموضوعات ـ رغم سخافتها وسطحيتها ـ إلى واجهة النقاش، وتمنحها انتشارًا يتجاوز قيمتها الحقيقية بأرقام فلكية، فيما تتراجع قضايا أكثر أهمية وتأثيرًا إلى الصفوف الخلفية، فالمنصات الرقمية لم تعد اليوم مجرد نوافذ نطل منها على العالم، بل أصبحت أدوات تسهم في تشكيل الصورة التي نراه بها، وتؤثر في ما نناقشه، ومن نتابعه، وما نعتبره جديرًا بالاهتمام، وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زلنا قادرين على اختيار أولوياتنا بوعي، أم أصبح ما تصنعه الخوارزميات من ضجيج هو الذي يحدد ما يشغل عقولنا ويوجه الرأي العام؟
والحقيقة أن صناعة النجومية الزائفة لم تعد مجرد سلوك فردي يبحث عن المتابعين، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رقمي يستثمر انتباه المستخدمين ويحوّله إلى مكاسب مادية هائلة، وهنا تؤدي الخوارزميات دورًا محوريًا؛ إذ تعيد ترتيب المحتوى وتختار ما يظهر للجمهور استنادًا إلى مؤشرات التفاعل، من بينها المشاهدات والإعجابات والتعليقات والمشاركات ومدة العرض، وهذه المؤشرات صممت قصداً لقياس استجابة وتفاعل الجمهور ورصد الأرقام، ضاربة بجودة المضمون وأهميته عرض الحائط، فالمشهد ربما يتصدره مقطع مستفز لأنه أثار الغضب والجدل، بينما يهوي محتوى علمي ذا جودة؛ أو مبادرة مجتمعية ذات قيمة إلى القاع، وهكذا تتحول الإثارة إلى وسيلة لصناعة الشهرة، وتصبح أرقام التفاعل مدخلًا للتأثير في اتجاهات الجمهور، وبمثل هذه الطريقة يتشكل وعي المجتمع.
وتكرار ظهور قضية معينة- بين فترة وأخرى- يجعلها أكثر حضورًا في الأذهان، وكثرة تداولها قد توحي بأنها تمثل الأولوية الأولى للمجتمع، حتى إن لم تكن كذلك، وبالمقابل، قد تتراجع قضايا التعليم والعمل والاقتصاد والهوية الوطنية عن واجهة الاهتمام، ليس لضعف أهميتها، بل لعدم قدرتها على منافسة المحتوى المثير في استقطاب التفاعل، وهنا تنتقل سلطة الخوارزميات من ترتيب المنشورات إلى التأثير في ترتيب الأولويات، ومن جذب الانتباه إلى الإسهام في تشكيل الرأي العام.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتحول أرقام الانتشار إلى مصدر للشرعية والتأثير؛ فيُعامل صاحب المتابعين الكثر باعتباره مرجعًا، ويُمنح صانع الجدل مساحة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
