حين تهتز خرائط العالم.. هل تنقذ الإدارة ما تعجز عنه الثروات؟

أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي **

لم تعد الحروب تُخاض في ميادين القتال وحدها، ولم تعد خسائرها تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المعارك التي تُحسم، بل باتت تُقاس أيضًا بعدد السفن التي تغير مساراتها، والمصانع التي تتوقف، والاستثمارات التي تتردد، والأسعار التي ترتفع، والأسر التي تجد نفسها أمام أعباء معيشية لم تكن في الحسبان.

ففي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية بصورة غير مسبوقة، قد تؤدي أزمة في ممر ملاحي إلى ارتفاع تكلفة رغيف الخبز في دولة تبعد آلاف الكيلومترات، وقد يتحول اضطراب سياسي محدود جغرافيًا إلى موجة اقتصادية تتجاوز الحدود، لتصل آثارها إلى المصانع والأسواق وموائد المواطنين.

وهنا يفرض الواقع سؤالًا بالغ الأهمية: هل أصبحت الإدارة الرشيدة أكثر تأثيرًا من وفرة الثروات في تحديد قدرة الدول على الصمود أمام الأزمات؟

إن الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال عام 2026 تكشف عن حقيقة اقتصادية وإدارية تستحق التوقف أمامها؛ فامتلاك النفط والغاز والموانئ والمواقع الاستراتيجية، مهما بلغت قيمته، لم يعد ضمانة كافية للاستقرار الاقتصادي. إذ أثبتت الأزمات أن الثروة قد تكون مصدرًا للقوة في الظروف الطبيعية، لكنها قد تتحول إلى مصدر للانكشاف إذا غابت الإدارة القادرة على حماية قيمتها وتعظيم عوائدها ومواجهة المخاطر المحيطة بها.

ولعل أحدث التقديرات الاقتصادية تعكس خطورة المشهد؛ فقد توقع صندوق النقد الدولي، في تقريره الصادر في 22 أكتوبر 2026، انكماش النشاط الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 1.3% خلال العام الجاري، قبل تعافٍ متوقع بمعدل نمو يبلغ 6.6% في عام 2027، في ظل التداعيات الممتدة للصراع الإقليمي على إنتاج الطاقة والتجارة والسياحة وسلاسل الإمداد.

غير أن هذه الأرقام، رغم دلالاتها المقلقة، لا تروي القصة كاملة؛ فخلف المؤشرات الاقتصادية تختبئ قضية أكثر عمقًا، تتعلق بكفاءة المؤسسات، وجودة القرارات، وقدرة الحكومات والشركات على التعامل مع عالم أصبح فيه عدم اليقين هو القاعدة، لا الاستثناء. فالأزمات لا تكشف فقط حجم ما تمتلكه الدول من موارد، بل تكشف قبل ذلك مدى قدرتها على إدارة ما تمتلك. لقد اعتادت بعض الاقتصادات العربية، لعقود طويلة، الاستناد إلى مزايا تقليدية تتمثل في الثروات الطبيعية والمواقع الجغرافية والاستثمارات الحكومية الكبرى. أكيد هذه مزايا مهمة، لكن المزايا هذه وحدها لا تكفي لعمل اقتصاد قوي يقدر يواجه الصدمات

فالموقع الجغرافي المتميز يفقد جزءًا من قيمته إذا تعطلت حركة التجارة، والثروة النفطية تتراجع قدرتها على دعم الاقتصاد إذا تعثرت عمليات الإنتاج أو التصدير، والاستثمارات الضخمة قد تواجه مخاطر غير متوقعة إذا غابت عنها المرونة المؤسسية والتخطيط الاستباقي. هنا نلاحظ شيء غريب في الاقتصاد الآن. أحيانا توجد دولة عندها موارد أكثر من دولة ثانية. مع هذا، الدولة نفسها تواجه مشاكل وقت الأزمات، مع أن الموارد عندها أكثر. السبب لا يرجع لقلة المال أو الثروة. الفرق يكون في كيف يدير الناس هذه الموارد، وكيف تكون إدارة الدولة نفسها. ولعل ما شهدته حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز يقدم نموذجًا واضحًا لهذه المفارقة. الآن مشاكل الممرات البحرية دخلت في كل شيء. شركات الشحن تضررت. النقل صار فيه مشاكل. التأمين تأثر. أسعار الطاقة ارتفعت. المصانع تعاني من مشاكل في المخزون. الدول عندها صادرات أقل تنافسية. الأسواق ما صارت مستقرة. الموضوع صار أكبر من قبل. التأثير واضح في أماكن كثيرة.

وفي 22 أكتوبر 2026، نقلت وكالة رويترز عن الرئيس التنفيذي لشركة الخدمات اللوجستية العالمية «كونه + ناجل» توقعه عودة معظم خطوط شحن الحاويات إلى مسار قناة السويس بنهاية الربع الأول أو بداية الربع الثاني من عام 2027، مع التحذير من استمرار التقلبات الجيوسياسية.

وهذا التصريح يقول أشياء جيدة، لكن في نفس الوقت يوضح جزء آخر من المشكلة. القرارات الكبيرة في الاقتصاد بدأت تعتمد أكثر وأكثر على السياسة وعلى الأمن. وهذه الأمور تتغير بسرعة، ومن الصعب لأي شخص أن يعرف ماذا سيحدث فيها.

فكيف يمكن لشركة صناعية أن تضع خطة إنتاج مستقرة وهي لا تعرف على وجه اليقين تكلفة الشحن بعد ثلاثة أشهر؟ وكيف تستطيع دولة أن تبني توقعاتها الاقتصادية اعتمادًا على عوائد ممر ملاحي قد تتغير حركة التجارة عبره بصورة مفاجئة؟

الإجابة لا توجد في انتظار الأزمات حتى تنتهي. الحل أن يبدأ الشخص في بناء القدرة على التعايش مع الأزمات. الشخص يحتاج أن يقلل من آثار الأزمات. هكذا الحياة تكون أسهل.

في الوقت هذا، الناس بدأوا يتكلمون عن شيء مهم في الإدارة، والي هو المرونة الاستراتيجية. المرونة الاستراتيجية تعني أن المؤسسات أو حتى الاقتصاد نفسه ممكن تتأقلم مع التغيرات لو طلعت بشكل مفاجئ. المؤسسات تقدر تغير الموارد أو تغير قراراتها بسرعة على حسب الحاجة. مع كل هذا، تظل المؤسسات تركز على الهدف الأساسي وما تضيع الطريق عشان توصل للأهداف الرئيسية.

النجاح في الإدارة اليوم لا يظهر فقط مع الأرباح الكبيرة في أوقات الراحة. النجاح يظهر عندما تبدأ الظروف في التغيّر. المدير الجيد يحمي المؤسسة من التغيّرات ويحاول أن يحافظ على استمرار المؤسسة عندما تتوقف الخطط القديمة عن العمل.

ولذلك، لم يعد من الحكمة أن تقوم إدارة سلاسل الإمداد على البحث عن أقل تكلفة فقط، بل أصبح ضروريًا تحقيق التوازن بين الكفاءة والمرونة، من خلال تنويع الموردين، وتطوير المسارات اللوجستية البديلة، وبناء مخزون استراتيجي مدروس، واستخدام أنظمة المعلومات والتحليل التنبؤي لرصد المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.

فما يبدو مرتفع التكلفة في أوقات الاستقرار قد يصبح استثمارًا يحمي الاقتصاد من خسائر مضاعفة وقت الأزمات.

لو أحد شاف الواقع في الدول العربية، الناس تلاحظ أنه في فرصة. هذه الفرصة ممكن تعيد كيف ترتب الدول الموارد الاقتصادية مع كفاءة الإدارة. الفرصة هذه ما راحت، ما زالت في المنطقة العربية. أنا أشوف الموارد الاقتصادية في حاجة لإدارة أفضل. الإدارات العربية تقدر تغيّر كثير من الأمور. الإدارات في الدول العربية تقدر تحسن الوضع لو استغلت الموارد الاقتصادية بشكل مختلف.

فمصر، بما تمتلكه من قناة السويس وموقع جغرافي استثنائي وقاعدة صناعية وسوق محلية واسعة، لديها فرصة لتعزيز مكانتها الاقتصادية من خلال الانتقال من مجرد الاستفادة من حركة المرور الملاحي إلى تعظيم القيمة المضافة المرتبطة بها؛ عبر الخدمات اللوجستية المتقدمة، والصناعات التصديرية، ومراكز التوزيع، والخدمات البحرية، وربط المناطق الصناعية بسلاسل التجارة العالمية.

أنا أرى أن قيمة قناة السويس ليست فقط في رسوم مرور السفن. توجد أنشطة كثيرة واستثمارات يمكن أن تظهر حول قناة السويس. ممكن أيضا أن تظهر فرص عمل كثيرة هناك. قناة السويس تعتبر شريان مهم في التجارة الدولية.

سلطنة عُمان عندها أشياء مهمة تساعدها في أن تكون مكان لوجستي وصناعي في المنطقة. خصوصًا لأن سلطنة عُمان عندها موقع على البحر وقريبة من بحر العرب والمحيط الهندي. السلطنة تملك موانئ على البحر. هذا الشيء يعطي سلطنة عُمان فرصة لتربط بين أسواق آسيا وأفريقيا والدول العربية.

لكن تحويل هذه المقومات إلى شيء قوي في السوق يحتاج أن يطور الناس العمل اليومي. الناس يجب أن يجعلوا الموانئ والمناطق الصناعية أكثر قربًا من بعض. تطوير الخدمات اللوجستية مهم. جذب صناعات تعطي قيمة أكبر يساعد. كل هذا لازم يمشي مع أهداف رؤية عمان 2040.

في دول الخليج، الناس بدأت تشوف أن التنويع الاقتصادي ليس موضوع بعيد. التنويع صار اليوم حاجة لأي دولة في الخليج. كثير من الناس يتكلموا عن أهمية التنويع الاقتصادي مع الأمن الاقتصادي. الأمن الاقتصادي يحتاج من دول الخليج تفكر في التنويع الاقتصادي من جديد.

لما ترتفع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
منذ ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 23 ساعة
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 6 ساعات
هلا أف أم منذ 5 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 9 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 9 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 3 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 6 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 4 ساعات