الفن ليس ما تراه عيناك.. بل ما تجعل الآخرين يبصرونه

محمد بن أنور البلوشي **

في بداية التسعينيات، حين كنت طالبًا على مقاعد الدراسة، اعتدت الذهاب إلى سوق السيب، ذلك المكان الذي ما زالت رائحته وأصواته ووجوه المارة فيه تسكن ذاكرتي.

بالقرب من شاطئ السيب، كان هناك منتدى أدبي متواضع، يجتمع فيه عدد من الأدباء والمثقفين، معظمهم من معلمي اللغة العربية القادمين من مصر والمغرب والسودان وغيرها من البلدان العربية. كانوا يجلسون ويتحاورون في الشعر والأدب والفلسفة، ويتبادلون الأفكار والقصائد، بينما كنت أقف أحيانًا على مقربة منهم، أراقب وجوههم، وأصغي إلى أحاديثهم، محاولًا أن أفهم ما الذي يجمع هؤلاء الرجال حول الكلمات. لم أكن أفهم كل ما يقولونه، لكن شيئًا في جلساتهم كان يشدني إليهم. كنت أرى في عيونهم شغفًا غريبًا، وفي أصواتهم عالمًا لم أكتشفه بعد. وربما لم أكن أدرك حينها أن تلك اللحظات الصغيرة ستترك في داخلي سؤالًا كبيرًا عن الفن والجمال والإنسان.

واليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، أعود بذاكرتي إلى ذلك المنتدى القريب من البحر، وأتساءل: هل كنت أرى الأدب، أم كنت أرى ما يصنعه الأدب في أرواح أولئك الرجال؟ وهل كان الجمال في القصائد التي يتلونها، أم في المشاعر التي كانت توقظها في نفوسهم؟ هناك، ربما دون أن أدري، بدأت أفهم معنى العبارة التي قالها الرسام الفرنسي إدغار ديغا: "الفن ليس ما تراه، بل ما تجعل الآخرين يرونه".

فما الفن حقًا؟ أهو ريشة تعانق لوحة، أم إزميل يوقظ الحياة في صخرة صماء، أم نغمة موسيقية تسافر بين القلوب، أم ذلك الصمت الذي يسكن بين الكلمات؟ أم أنه خيط خفي يصل روح المبدع بروح المتلقي، حيث تنتقل الأحاسيس والأفكار دون أن تستأذن اللغة؟

الرؤية أمر يسير، أما أن تجعل الآخرين يرون العالم بعيني روحك، فذلك هو السحر الذي لا يتقنه إلا المبدعون. حين رسم فنسنت فان غوخ لوحته الشهيرة "ليلة النجوم"، لم يكن يرسم السماء كما تراها العيون، بل كان يرسم اضطراب روحه ووحدته وحنينه إلى السكينة. لم تكن النجوم مجرد أجرام مضيئة، بل نوافذ تطل منها روح قلقة تبحث عن السلام.

وهنا يبدأ الفن الحقيقي، لا من الريشة ولا من الحجر، بل من العقل والخيال. يُنسب إلى مايكل أنجلو أنه كان يرى التمثال حبيسًا داخل الرخام، وأن مهمته لم تكن سوى تحريره. يا لها من فلسفة عميقة! فالفنان لا يصنع الجمال من العدم دائمًا، بل يكتشف جمالًا عجز الآخرون عن رؤيته. وربما كانت مهمة الفن تحرير المعاني السجينة في الأشياء، كما يحرر النحات تمثاله من الصخر.

ولعل عقل الفنان يعيش في.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ ساعة
منذ 7 ساعات
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 6 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 10 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 9 ساعات
صحيفة رصد العمانية منذ 4 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 23 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 3 ساعات
هلا أف أم منذ 5 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 9 ساعات