تعد السيطرة على الفضاء المحرك أحد المحركات الخفية للصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد النطاق المداري مجرد مختبر للتجارب العلمية أو منصة لإطلاق الأقمار الصناعية، بل تحول إلى "الأرض المرتفعة" التي تحدد من يملك زمام المبادرة في الأمن والاقتصاد والسيادة العالمية.
السيطرة على الفضاء تعني السيادة في الأرض في أروقة صنع القرار في واشنطن وبكين وموسكو، يسود إيمان راسخ بأن السيادة على الأرض تبدأ من السماء؛ لذا فإن السعي نحو السيطرة على الفضاء في الوقت الراهن ليس تكرارًا لسباق الستينيات الذي كان يهدف لإثبات التفوق الأيديولوجي، بل هو صراع وجودي على موارد نادرة ونفوذ عسكري مطلق.
ويستقر في أذهان قادة الدول أن الدولة التي تستطيع التحكم في المدارات المنخفضة، تملك فعليًا القدرة على مراقبة كل متر مربع على سطح الأرض، والتحكم في تدفق البيانات الرقمية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد الحديث.
وفي العقيدة العسكرية الحديثة، لم يعد الفضاء قطاعًا مساندًا، بل أصبح "نطاقًا قتاليًا" مستقلًا تمامًا مثل البر والبحر والجو.
ويعني مفهوم السيطرة على الفضاء عسكريًا امتلاك القدرة على حماية الأصول المدارية للدولة مع القدرة على تحييد أصول العدو عند الضرورة.
وتعتمد الجيوش المتقدمة اليوم بنسبة تتجاوز 90% على الأقمار الصناعية لإدارة العمليات الميدانية، وتوجيه الصواريخ الباليستية، وتشغيل الطائرات بدون طيار التي تجوب القارات.
ووفقًا لتقرير "وضعية الفضاء" الصادر عن قيادة الفضاء الأمريكية، فإن التهديدات لم تعد تقتصر على مجرد التشويش، بل انتقلت إلى "الأسلحة الحركية" والأقمار الصناعية "الانتحارية" التي يمكنها الاصطدام بأقمار العدو وتدميرها.
كما دخلت أسلحة الليزر عالية الطاقة في الخدمة، وهي قادرة على إعماء أقمار التجسس من مسافات شاسعة.
ويجعل هذا التصعيد من الفضاء ساحة لردع استراتيجي جديد؛ فامتلاك القدرة على "إعماء" الخصم فضائيًا يعني حرمانه من قدراته التكنولوجية وإعادته إلى حقبة الحروب التقليدية التي تفتقر للدقة.
آفاق السيطرة على الفضاء اقتصاديًا بعيدًا عن ثكنات الجيش، يبرز المحرك الاقتصادي كأقوى دافع لهذا السباق، فنحن نعيش الآن بدايات "الاقتصاد الفضائي الجديد"، وهو قطاع يتوقع المحللون أن تتجاوز قيمته تريليون دولار قبل نهاية هذا العقد.
وتمثّل السيطرة على الفضاء اقتصاديًا لأي دولة وضع اليد على مصادر ثروة لم تشهدها البشرية من قبل، للأسباب التالية:
تعدين الكويكبات: تعد الكويكبات القريبة من الأرض مناجم عائمة تحتوي على كميات هائلة من المعادن النادرة مثل البلاتين، والنيكل، والذهب، وتشير البيانات الجيولوجية الفضائية لعام 2025 أن كويكبًا صغيرًا واحدًا قد يحتوي على معادن تزيد قيمتها عن 10 تريليونات دولار؛ لذا فإن الدولة التي تسبق في تطوير تقنية التعدين الفضائي ستتمكن من التحكم في أسواق المعادن العالمية على الأرض.
وقود المستقبل (الهيليوم-3): يسابق العلماء الزمن لاستخراج مادة "الهيليوم-3" من تربة القمر؛ لأن هذا النظير النادر، الذي تندر وجوده على الأرض، يمثل الوقود المثالي لمفاعلات الاندماج النووي، وتعني السيطرة على مناطق تواجد هذا العنصر على سطح القمر امتلاك مفتاح الطاقة النظيفة وغير المحدودة لآلاف السنين، وهو ما يفسر الإصرار الصيني والأمريكي على بناء قواعد دائمة في القطب الجنوبي للقمر.
السيادة الرقمية وكوكبات الأقمار الصناعية في عالم يعتمد كليًا على البيانات، أصبحت السيطرة على الفضاء تعني السيطرة على الإنترنت، وتهدف مشاريع مثل "ستارلينك" التابع لسبيس إكس، ومشروع "غووانغ" الصيني، لنشر آلاف الأقمار الصناعية الصغيرة في المدار المنخفض لتوفير تغطية إنترنت فائقة السرعة وشاملة لكل نقطة على الكوكب.
ولا تمثّل هذه الكوكبات مجرد مشروع تجاري، بل هي بنية تحتية سيادية، فالدولة التي تسيطر على هذه الشبكات تمتلك القدرة على منح أو حجب الوصول إلى المعلومات عن أي منطقة في العالم، كما أنها تؤمن اتصالاتها العسكرية والمدنية بعيدًا عن الكابلات البحرية المعرضة للتخريب.
ويمنح التحكم في تدفق البيانات عبر الفضاء القوى العظمى قدرة هائلة على التأثير السياسي والاقتصادي، ويجعل من المدارات الفضائية العمود الفقري للنظام الرقمي العالمي.
صراع لفرض قواعد اللعبة تاريخيًا، كانت القوة العظمى هي من تسيطر على المحار في البحار، ثم انتقلت الهيمنة إلى الأجواء، واليوم، انتقل الثقل إلى المدارات العليا.
وخلق التنافس على السيطرة على الفضاء ما يعرف بالجيوسياسية المدارية، حيث تسعى كل دولة لوضع "قواعد الطريق" التي تخدم مصالحها.
ويدور حاليًا صراع قانوني ودبلوماسي صامت حول "مناطق النفوذ" على القمر، فعلى سبيل المثال، تضع اتفاقيات "أرتميس" التي تقودها الولايات المتحدة، إطارًا قانونيًا لاستغلال الموارد الفضائية، وهو إطار ترفضه الصين وروسيا وتعتبرانه محاولة لفرض هيمنة أمريكية جديدة.
في المقابل، يعمل التحالف الصيني الروسي على بناء "محطة أبحاث قمرية دولية" لتكون مركزًا موازيًا للنفوذ.
وباعتقاد القوى العظمى أن السيطرة على "النقاط الاستراتيجية" مثل القمم الجبلية القمرية الدائمة الضوء، أو الفوهات المظلمة التي تحتوي على جليد مائي، ستحدد من يملك الحق في إدارة الموارد الفضائية في العقود القادمة.
التقنية تحدد هويئة الفائز بالسباق ويعمل السعي نحو السيطرة على الفضاء كمحرك جبار للابتكار التقني، فالتحديات القاسية للبيئة الفضائية تفرض تطوير تقنيات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والمواد المتقدمة، والروبوتات، والطاقة المتجددة، وهي ابتكارات تجد طريقها دائمًا إلى التطبيقات الأرضية، مما يعزز القدرة التنافسية لاقتصادات الدول الفضائية.
علاوة على ذلك، يظل الفضاء هو الرمز الأسمى للفخر الوطني والقوة الناعمة، فنجد أن نجاح الهند في مهمتها القمرية، أو إجراء السعودية تجارب في الفضاء، يبعث برسالة قوية للعالم حول المكانة التقنية والعلمية للدولة، ولكن تحت غطاء الاستكشاف العلمي، تظل الأهداف الاستراتيجية هي المحرك الأساسي؛ فالدولة التي لا تملك حضورًا قويًا في الفضاء ستجد نفسها في ذيل القائمة الدولية، تابعة للدول التي تملك "مفاتيح السماء".
مخاطر عسكرة المدار بينما تتسابق الدول نحو السيطرة على الفضاء، يبرز خطر حقيقي يتمثل في تحويل المدارات إلى ساحة صراع مفتوح.
والحديث عن "عسكرة الفضاء" لم يعد مجرد سيناريو من أفلام الخيال العلمي، بل هو واقع تقني يشهده عام 2026، كما أن التحول المرجح نحو الأسلحة الفضائية قد يؤدي إلى كارثة تُعرف بـ "متلازمة كيسلر"، حيث يؤدي تدمير الأقمار الصناعية إلى تكوين سحابة من الحطام تمنع البشرية من الوصول إلى الفضاء لأجيال.
ومع ذلك، تصر القوى الكبرى على الاستمرار في هذا المسار، مدفوعة بمبدأ "الأمن المتبادل"، فكل دولة تخشى أن تسبقها الأخرى في تحقيق تفوق فضائي كاسح ينهي توازن القوى العالمي.
ويجعل هذا التنافس المحموم من الاتفاقيات الدولية لحفظ سلامة الفضاء أمرًا حيويًا، لكنه يصطدم دائماً بطموحات الهيمنة والسيطرة التي تحرك السياسة الدولية.
ونخلص من كل ذلك إلى أن محاولة الدول الكبرى السيطرة على الفضاء هو أمر من أجل المستقبل، فكل معطيات العصر الحديث تشير أن الثروة، والأمن، والسيادة، لم تعد مرتبطة بحدود جغرافية على الأرض، بل أصبحت معلقة في الفضاء الشاسع.
هذا المحتوى مقدم من العلم
