مما لا شك فيه أن التأمين الصحي أصبح اليوم أحد أهم الموضوعات التي تتقاطع فيها النصوص القانونية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية فهو ليس مجرد أداة تنظيمية أو خيار تشريعي، بل هو إطار قانوني يحمي حق الإنسان في الرعاية الصحية ويوازن في الوقت نفسه بين التزامات الدولة، وحقوق المؤمن عليهم، وقدرة السوق على الاستمرار ماليًا.
الحق في العلاج مكفول في الدساتير والقوانين، لكنه لا يُمارس إلا من خلال منظومة قانونية واضحة تمكّن من توفير التمويل الكافي وضمان جودة الخدمة وفي غياب هذا الإطار، يتحول الحق في العلاج إلى عبء مالي على الدولة، أو إلى التزام فردي قد يعرّض المواطنين والمقيمين إلى مخاطر الحرمان من الرعاية الصحية.
وقد أدركت دول العالم، وخصوصًا في منطقة الخليج، أن ترك الرعاية الصحية خارج الإطار التأميني المنظم يفضي حتمًا إلى اختلال مزدوج: إرهاق الموازنات العامة من جهة، وحرمان فئات واسعة من المجتمع من العلاج المنتظم من جهة أخرى ومن هنا، برزت قوانين التأمين الصحي باعتبارها الأداة القانونية القادرة على تحقيق هذا التوازن الدقيق، وتوفير آليات حماية للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
التجارب الخليجية في التأمين الصحي
في مملكة البحرين
يعمل النظام التأميني على فصل دور الدولة كمموّل عن دور مقدمي الخدمة الصحية، ويضع مسؤوليات شركات التأمين ضمن إطار تنظيمي صارم يضمن حقوق المؤمن عليهم ويعزز رقابة الدولة على السوق وقد شملت التعديلات الأخيرة زيادة وضوح الحقوق، وتحديد آليات الاعتراض على القرارات التأمينية، بما يحقق التوازن بين الاستدامة المالية وحماية المستفيد.
أما في سلطنة عمان، فقد تم تطبيق التأمين الصحي الإلزامي للوافدين أولًا، بهدف تخفيف العبء عن المرافق الصحية الحكومية وقد ركّز القانون العماني على توزيع المسؤوليات بوضوح بين أصحاب العمل وشركات التأمين، مع إلزامية تقديم تغطية شاملة للعلاج الأساسي والطارئ، وضبط التسعير الطبي، ووضع عقوبات في حال الإخلال بالالتزامات التأمينية.
في المملكة العربية السعودية
يُعتبر نظام التأمين الصحي التعاوني من النماذج الرائدة، حيث يربط الامتثال التأميني مباشرة بتجديد الإقامة وتصاريح العمل، كما يشمل تغطية واسعة للمواطنين والوافدين على حد سواء، تحت إشراف الهيئة العامة للقطاع الصحي، ما يقلل المخاطر المالية ويضمن حقوق الأطراف المختلفة.
في الإمارات العربية المتحدة
وخصوصًا في دبي وأبوظبي، يعتمد التأمين الصحي على منظومة إلزامية للموظفين والمقيمين، حيث توفر شركات التأمين خططًا متعددة، مع رقابة صارمة على تغطية الخدمات الطبية وجودتها، ما يعكس حرص الدولة على توفير الحماية القانونية للمستفيدين وضمان استدامة القطاع الصحي اقتصاديًا.
الوضع في مصر
في مصر، رغم وجود عدة مبادرات لتوسيع نطاق التأمين الصحي، إلا أن التحديات القانونية والاقتصادية لا تزال قائمة فهناك تعدد الجهات المشرفة على التأمين الصحي، وتفاوت في تغطية الخدمات بين القطاع الحكومي والخاص، وضعف الرقابة على شركات التأمين الخاصة، ما يؤدي إلى نزاعات عديدة حول حدود التغطية، وتأخر التعويضات، واختلاف تفسير شروط العقود وتجارب الإصلاح الأخيرة تهدف إلى دمج السياسات الصحية والمالية ضمن قانون موحد للتأمين الصحي، لكن الطريق لا يزال طويلًا لتحقيق التوازن بين الحقوق المالية والإنسانية.
التجارب الأوروبية
في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة البلاد البحرينية
