في مقابر لوس أنجلِيس، حيث ترقد أسماء كثيرة من الذاكرة الأميركية، يقف شاهد بسيط يحمل اسماً ثقيل الظلّ: تشارلز بوكوفسكي. لا صور، لا أبيات شعر منمّقة، لا عبارات رثاء تقليدية؛ فقط كلمتان نُقشتا ببرودٍ يثير الدهشة: لا تحاول.( Don t Try).
وقد أوصى تشارلز بوكوفسكي بهذه العبارة قبل وفاته بسنوات، لتُنقش على شاهد قبره بعد رحيله عام 1994 في لوس أنجلِيس. ولم تكن "Don t Try" فكرة عابرة أو نزوة أخيرة، بل خلاصة تكرّرت في رسائله ومقابلاته، وظهرت بوضوح في مراسلاته التي نُشرت لاحقاً ضمن مجموعات" The Letters of Charles Bukowski"، إذ كان يؤكّد مراراً أن الإبداع الحقيقي لا يُنتَزع بالقوة، ولا يولد من التخطيط، بل يفرض نفسه حين يكون صادقاً ولا مفرّ منه. كيف يمكن لرجل كتب آلاف الصفحات، وعاش بالكلمات، واحترق بها، أن يوصي بعدم المحاولة؟
هنا تبدأ المفارقة، وهنا يكمن عمق العبارة.
قد يظنّ المارّ العابر أنّها دعوة إلى الكسل، أو فلسفة يائسة لإنسان سئم الحياة، غير أنّ الحقيقة أبعد من ذلك. لم تكن "لا تحاول" صرخة استسلام، بل حكمة قاسية صاغها شاعر عاش عمره على الحافة، متنقّلاً بين مخازن البريد الباردة والحانات المزدحمة، حتى صار أحد أكثر الأصوات تمرّداً وصدقاً في الأدب الأميركي.
وُلد بوكوفسكي في جحيم صغير: فقر، قسوة أب، وطفولة مثقلة بالضرب والمرض. لم يعرف الأبهة ولا الطمأنينة، لكنه عرف مبكراً أنّ الكلمات يمكن أن تكون بيتاً، حتى إن أُغلقت في وجهه كل البيوت. وحين كان يكتب، لم يكن "يحاول" أن يكون كاتباً؛ كان يكتب لأنه لا يملك خياراً آخر، لأن الكلمات كانت تتفجّر فيه كما يتفجّر البركان.
هنا يتّضح معنى وصيّته: لا تحاول أن تصنع الفن بالقوة، فالفن الحقيقي يأتي حين يستحيل عليك كبحه.
في إحدى رسائله، لخّص بوكوفسكي فكرته بعبارة قاطعة: "إن لم تنفجر من داخلك رغم كل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة السياسة
