قال المحلل الاقتصادي والمالي مراد الزهراني إن قطاع المطاعم والمقاهي شهد خلال السنوات الأربع الماضية نموًا ملحوظًا في الطلب، إلا أن التوسع في افتتاح المنافذ كان أسرع بكثير، ما خلق فجوة واضحة أثّرت سلبًا على إيرادات المنشآت.
نمو قطاع المطاعم والمقاهي وأوضح الزهراني، خلال مشاركته في برنامج " ياهلا" المذاع على قناة روتانا خليجية، أن الفترة من عام 2021 حتى 2024 سجلت نموًا مركبًا في الطلب بنحو 7%، لترتفع قيمة السوق من نحو 80 مليار ريال إلى قرابة 100 مليار ريال. وفي المقابل، شهد المعروض ممثلًا في افتتاح المطاعم والمقاهي نموًا مركبًا تجاوز 24% إلى 25%، ما يعني أن زيادة عدد المنافذ فاقت نمو الطلب بشكل كبير.
وأشار إلى أن هذا الخلل انعكس في ارتفاع كثافة المطاعم والمقاهي مقارنة بالمتوسط العالمي، إذ يوجد في السوق المحلي نحو مطعم ونصف لكل ألف نسمة، ونحو 1.1 إلى 1.2 مقهى لكل ألف نسمة، وهي نسب تفوق المتوسط العالمي، بل وتتجاوز دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة. وبيّن أن هذه الكثافة أدت إلى تراجع إيرادات المنفذ الواحد.
وذكر أن متوسط إيرادات المتجر أو المنفذ الواحد انخفض خلال أربع سنوات من نحو 1.4 مليون ريال إلى أقل من 900 ألف ريال، لافتًا إلى أن هذا التراجع لا يمكن تفسيره فقط بعوامل مثل ارتفاع الإيجارات أو عمولات تطبيقات التوصيل، مؤكدًا أن هذه العوامل موجودة لكنها ليست الأسباب الجوهرية.
وفيما يخص الإيجارات، أوضح الزهراني أن قرارات التوازن العقاري أسهمت في تثبيت الإيجارات في القطاعين السكني والتجاري، ما منح التجار رؤية أوضح لإدارة مصروفاتهم على المدى المتوسط، تصل إلى خمس سنوات. أما تطبيقات التوصيل، فأقر بأنها تفرض عمولات مرتفعة نسبيًا تتراوح بين 28% و35%، وهي أعلى من المتوسط العالمي، إلا أنه شدد على أن السوق المحلي يعتمد عليها بشكل كبير، حيث تمر نحو 40% من طلبات المطاعم خصوصًا المطاعم السريعة عبر هذه التطبيقات، ما يجعلها جزءًا أساسيًا من منظومة الطلب وليست سببًا رئيسيًا للتعثر.
أسباب تعثر بعض المشاريع وعن الأسباب الجوهرية لتعثر وإغلاق عدد من المشاريع، أرجع الزهراني ذلك إلى ما وصفه بـ«هبة المطاعم»، حيث يتجه مستثمرون جدد إلى تكرار تجارب ناجحة دون دراسة كافية للسوق. وشرح أن مطعمًا واحدًا قد ينجح في البداية بفضل ضخ استثمارات تسويقية وعروض ترويجية كبيرة لاكتساب العملاء، ثم يدخل مستثمرون آخرون على الخط، ويضخون بدورهم إنفاقًا تسويقيًا جديدًا، ما يؤدي إلى سحب العملاء من المشاريع القائمة.
وبيّن أن المطعم الأول، بعد مرور عدة أشهر، قد يعجز عن الاستمرار في ضخ الإنفاق التسويقي ذاته، في ظل أعباء تشغيلية ومالية مرتفعة، ما يدفعه في نهاية المطاف إلى الإغلاق، لتبدأ بعدها دورة جديدة مع مستثمر آخر. وأشار إلى أن هذه الظاهرة تفسر ارتفاع معدلات الإغلاق، لافتًا إلى أن نحو 88 ألف ترخيص صدرت خلال تلك الفترة، أُغلق منها ما يقارب 38% خلال أربع سنوات، نتيجة الضغوط المالية وارتفاع تكاليف التشغيل. وأكد الزهراني أن استمرار هذه الديناميكية دون ضبط التوسع ودراسة حقيقية للطلب سيبقي القطاع تحت ضغط، ويحد من قدرة المنشآت على تحقيق استدامة مالية طويلة الأجل.
أكد المحلل الاقتصادي والمالي مراد الزهراني، أن السبب الجوهري لتعثر كثير من مشاريع المطاعم والمقاهي لا يعود إلى السوق بقدر ما يرتبط بضعف التخطيط، مشددًا على أن التخطيط هو الأساس لأي مشروع ناجح. واقترح في هذا السياق أن تتولى لجان ملاك المطاعم والمقاهي في الغرف التجارية إعداد دراسات سوق متخصصة حتى وإن كانت مدفوعة تتيح للتجار الاطلاع عليها قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
وفي رده على تساؤل حول اختلاف نتائج مشاريع متشابهة في المواصفات، أشار الزهراني إلى أن العامل الفارق يتمثل في كسب ولاء الزبائن. ولفت إلى أن الدراسات تُظهر أن مختلف الفئات العمرية من جيل Z إلى جيل X وحتى جيل الطفرة تعتمد في اختيار المطاعم والمقاهي على ثلاثة عوامل رئيسية: السعر المناسب، والجودة العالية، وسهولة الوصول. وأكد أن المنشأة التي تنجح في الجمع بين هذه العناصر تكون الأقدر على بناء قاعدة عملاء مستقرة.
وفيما يتعلق بدور التسويق، أوضح أن التسويق ضروري في المراحل الأولى لتعريف السوق بالمنشأة، لكنه لا يكفي وحده لضمان الاستدامة. وأشار إلى أن التركيز الحقيقي يجب أن يكون على تقديم جودة عالية بسعر منافس، بما يشجع العملاء على تكرار التجربة. ولفت إلى أن بعض المطاعم تعتمد نموذج تشغيل قائمًا على حجم الطلبات، فتكتفي بهوامش ربح محدودة مقابل ضمان الاستمرارية.
وأكد الزهراني أن تقديم جودة عالية بسعر مناسب لا يعني بالضرورة الخسارة، موضحًا أن الاكتفاء بهامش ربح أقل قد يكون خيارًا استراتيجيًا يضمن استدامة المشروع على المدى الطويل، بدل السعي وراء أرباح مرتفعة قصيرة الأجل قد تهدد بقاء المنشأة في سوق يشهد منافسة عالية.
"أي مشروع قد يجعلك مليونيرًا" قال المحلل الاقتصادي والمالي إن أوهام الثراء السريع كانت أحد العوامل المؤثرة في تعثر وإغلاق عدد كبير من مشاريع المطاعم والمقاهي، مشيرًا إلى أن غياب التخطيط ودراسات الجدوى ما زال سمة شائعة لدى كثير من المستثمرين الجدد في القطاع.
وأوضح الزهراني أن جهات داعمة ومنشآت مختصة توفّر استشارات مجانية ودعمًا فنيًا، إلا أن الإقبال عليها ضعيف، لافتًا إلى أن بعض المستثمرين يرفضون من الأساس فكرة دراسات الجدوى أو دراسات السوق، ويفضّلون التوجه مباشرة إلى افتتاح المشروع، حتى لو استدعى الأمر الاقتراض وضخ مبالغ كبيرة دون رؤية واضحة. وأضاف أن بعضهم، بمجرد بدء تدفق الإيرادات، يتجه إلى الصرف الاستهلاكي مثل شراء السيارات أو السفر، بدل إعادة استثمار العوائد في تطوير المشروع وتعزيز استدامته.
وتابع الزهراني" أي مشروع ممكن يخليك مليونير. لكن يكون فيه تخطيط، يكون فيه استدامة، يكون فيه توسع مدروس، أنت هنا في طريقك إنك تصبح للمليونير. لكن تقولي والله أنا بفتح مقهى بدون أي دراسة بدون أي تخطيط، والله بصير مليونير فجأة كذا، هذه ما تجي"
وفيما يخص نوعية الدراسات المطلوبة قبل إطلاق المشروع، شدد الزهراني على أهمية إعداد دراسات جدوى متكاملة، تشمل دراسة السوق لتحديد حجم الطلب والمعروض، وتحليل الأحياء المناسبة، ومستويات دخل الأسر في المناطق المستهدفة، إضافة إلى دراسة المنافسين وأسعارهم، وتكاليف الإيجارات، واختيار الموقع الأمثل. وأكد أن هذه الدراسات تمكّن المستثمر من دخول السوق وهو مدرك لطبيعة المنافسة وقادر على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات، لا على التوقعات أو الانطباعات الشخصية.
وأوضح الزهراني أن توقيت تحقيق الأرباح في مشاريع المطاعم والمقاهي يختلف باختلاف نموذج التشغيل وحجم التكاليف، مشيرًا إلى أن بعض المطاعم السحابية تستطيع استرداد رأس المال بشكل أسرع لخفض الإيجارات والتكاليف التشغيلية، مقارنة بالمطاعم التقليدية التي تتطلب استثمارات كبيرة في المواقع والديكور، ما يطيل فترة استعادة رأس المال.
وأكد أن الأرباح المستدامة لا تتحقق بسرعة، بل تعتمد على الصبر والتخطيط المدروس وإعداد الدراسات، محذرًا من وهم الربح السريع الذي غالبًا ما يزول سريعًا. وشدد على ضرورة النظر إلى المشروع من منظور المستهلك لا التاجر، وفهم احتياجات العميل كشرط أساسي للنجاح.
وأشار إلى أن التسويق قد يجذب العميل لمرة واحدة، لكن كسب ولاء الزبائن هو العامل الأهم للاستمرارية، إذ يضمن تكرار الزيارة ويحوّل العميل إلى أداة تسويق مجانية عبر التوصية، مقابل ظاهرة «هبة المطاعم» التي تقوم على تقليد تجارب ناجحة دون دراسة، ما يؤدي إلى دوران المشاريع وارتفاع الإغلاقات.
هذا المحتوى مقدم من العلم
