في ظل التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، تتزايد التوقعات بشأن حدوث تحوّل جذري في هيكل الاقتصاد العالمي وسوق العمل. وقد أثارت تصريحات صادرة عن مسؤول سابق في (Citi Global Insights) جدلاً واسعاً، بعدما أشار إلى أن الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتفوق عددياً على العمال البشر خلال العقود المقبلة.
هذا السيناريو، وإن بدا مستقبلياً، يحمل في طياته تداعيات اقتصادية عميقة تتعلق بالإنتاجية، وتوزيع الدخل، وهيكل الوظائف، والتنافسية بين الدول، وحتى شكل النظام الرأسمالي نفسه.
«علي بابا» تطلق نموذج RynnBrain لدعم الروبوتات المتقدمة
ثورة في الإنتاجية
من منظور اقتصادي بحت، يمثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات قفزة كبيرة في عامل الإنتاج «رأس المال». فكل روبوت يُضاف إلى خط الإنتاج يرفع القدرة الإنتاجية من دون الحاجة إلى زيادة متناسبة في العمالة. تاريخياً، كانت الطفرات الاقتصادية الكبرى مرتبطة بارتفاع الإنتاجية، كما حدث في الثورة الصناعية أو ثورة الحوسبة.
من هنا، إذا أصبحت الروبوتات قادرة على العمل 24 ساعة يومياً من دون إجازات أو تكاليف تأمين صحي أو أخطاء بشرية متكررة، فإن تكلفة الوحدة المنتجة ستنخفض بشكل كبير. هذا الانخفاض في التكاليف قد يؤدي إلى زيادة أرباح الشركات، انخفاض أسعار السلع والخدمات وتوسع في حجم الإنتاج العالمي.
وبالتالي، قد نشهد نمواً اقتصادياً أسرع في الدول التي تتبنى الأتمتة بكثافة.
إعادة تشكيل سوق العمل
غير أن الوجه الآخر لهذه المعادلة يتمثل في تأثير الأتمتة على الوظائف. اقتصادياً، عندما يحل رأس المال محل العمل، ينخفض الطلب على بعض أنواع العمالة، خاصة الوظائف الروتينية أو القابلة للبرمجة.
هذا لا يعني اختفاء العمل البشري كلياً، بل تغير طبيعته. الطلب قد ينتقل من الوظائف اليدوية والمكتبية التقليدية إلى وظائف تصميم وصيانة الأنظمة الذكية، تحليل البيانات، الإشراف على العمليات المؤتمتة وتطوير البرمجيات والخوارزميات.
لكن المشكلة الاقتصادية تكمن في «فجوة المهارات». إذ ليس بإمكان كل عامل التحول بسهولة إلى مبرمج أو مهندس ذكاء اصطناعي، ومن هنا تظهر مخاطر ارتفاع البطالة الهيكلية إذا لم تُواكب الحكومات هذا التحول بسياسات تدريب فعالة.
الروبوت «بروتيوس» ينقل الطرود داخل مستودع أمازون في تينيسي، 9 أكتوبر 2024.
توزيع الدخل واتساع الفجوة
من أخطر التأثيرات المحتملة هو اتساع فجوة الدخل. في نموذج اقتصادي يعتمد على الروبوتات، ستتركز العوائد في يد مالكي رأس المال، أي الشركات والمستثمرين، بينما قد يتراجع نصيب العمل من الدخل القومي.
وإذا أصبحت الروبوتات أصلاً إنتاجياً رئيسياً، فإن الأرباح ستتدفق إلى من يمتلك هذه التكنولوجيا، ما قد يؤدي إلى زيادة تركّز الثروة، تصاعد عدم المساواة، فضلاً عن ضغوط اجتماعية وسياسية.
ولهذا بدأ بعض الاقتصاديين بمناقشة أفكار مثل «الضريبة على الروبوتات» أو «الدخل الأساسي الشامل» كآليات لإعادة توزيع الثروة في عصر الأتمتة.
التنافس الجيوسياسي
اقتصادياً، الدول التي تستثمر بقوة في الروبوتات ستكون في موقع تنافسي أقوى. على سبيل المثال، تلعب الصين دوراً محورياً في سباق الروبوتات الصناعية والذكاء الاصطناعي، مستفيدة من قدرتها التصنيعية الضخمة واستراتيجياتها الصناعية طويلة المدى.
أما الدول التي تتأخر في تبني الأتمتة فقد تكون أمام انخفاض في قدرتها التصديرية، فضلاً عن تراجع في جاذبية الاستثمار وفقدان حصتها في سلاسل الإمداد العالمية.
بالتالي، المسألة ليست تقنية فقط، بل استراتيجية تمس موازين القوة الاقتصادية العالمية.
العائد على الاستثمار وسلوك الشركات
أشار خبراء إلى أن بعض الروبوتات يمكن أن تعوض تكلفتها خلال فترة قصيرة جداً مقارنة بتكلفة الأجور البشرية. من منظور مالي، هذا يجعل قرار الأتمتة منطقياً للغاية.
وتتخذ الشركات قراراتها بناءً على تكلفة رأس المال، تكلفة العمل والعائد المتوقع.
ومتى ما أصبحت الروبوتات أقل تكلفة وأكثر كفاءة، فإن التحول إليها يصبح خياراً اقتصادياً شبه حتمي، خاصة في القطاعات ذات الهوامش الربحية المنخفضة.
«أمازون» تتوسع في توظيف الروبوتات على حساب البشر
هل يعني ذلك نهاية العمل البشري؟
اقتصادياً، التجارب التاريخية تشير إلى أن التكنولوجيا لا تُنهي العمل، بل تعيد تعريفه. عندما ظهرت الآلات في القرن التاسع عشر، اختفت بعض الوظائف، لكن ظهرت صناعات جديدة بالكامل. السؤال هو: هل سيكون التحول الحالي أسرع من قدرة المجتمعات على التكيف؟.
إذا كان الانتقال تدريجياً، فقد تتمكن الأسواق من خلق وظائف جديدة في مجالات لم نتخيلها بعد. أما إذا كان سريعاً جداً، فقد نشهد اضطرابات اقتصادية حادة قبل الوصول إلى توازن جديد.
إذاً، تفوق الروبوتات عددياً على البشر ليس مجرد احتمال تقني، بل سيناريو اقتصادي يحمل فرصاً هائلة للنمو والإنتاجية، مقابل مخاطر حقيقية تتعلق بالبطالة وعدم المساواة. من هنا، ستعتمد النتيجة النهائية على سياسات التعليم وإعادة التأهيل، أنظمة الضرائب وإعادة توزيع الدخل وسرعة التكيف المؤسسي.
يقف الاقتصاد العالمي إذاً أمام مرحلة انتقالية قد تعيد تعريف مفهوم العمل بحد ذاته. والتحدي الأكبر ليس في انتشار الروبوتات، بل في إدارة آثارها لضمان أن تعود فوائدها على المجتمع ككل، لا على فئة محدودة فقط.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

