حال التربية والتعليم

التعليم أو الأزمة التي لا تنتهي:

قد لا يبالغ من يصف شأن التربية والتعليم عندنا بـ “الرجل المريض”. لكن الفارق بين مرضٍ عابر ومرضٍ مزمن، أن الأول تُداويه فتتعافى، والثاني يُنهكك لأنه يتعوّد على “العمليات الجراحية” دون أن يلتئم الجرح. ولهذا لا يغضبني التشبيه بقدر ما يغضبني ما وراءه: أن تتحول المدرسة إلى سؤالٍ يوميٍّ داخل بيوت المغاربة، وأن يصبح القلق على مستقبل الأبناء واقعا مريراً.

وأكتب هذه الكلمات لا لأجل النقد من أجل النقد، ولا لأجل “ذرّ الرماد في العيون” بكلامٍ مُنمّق. أكتبها كمواطنٍ عاش المدرسة العمومية في زمنٍ كان للمدرسة فيه مذاقٌ وهيبة، ثم دخل القسم أستاذًا في بداية مساره، وعرف الإدارة التربوية من الداخل حين تحمّل مسؤولية الكتابة العامة للمدرسة العليا للأساتذة بالرباط. وأكتب اليوم أيضًا كجدٍّ يرى أحفاده يحملون حقائب تكاد تقصم ظهورهم الصغيرة… بينما ما يرسخ في الأذهان من تعلُّماتٍ أساسية يبدو أخفَّ من تلك الحقائب. فالكم موجود والكيف مفقود… وهذا تشخيصٌ يفرض نفسه، لا لأنه “حنينٌ مجاني”، بل لأنه وجعٌ يوميٌّ مشترك.

ولعل أول ما يذكّرنا بقداسة العلم أن أول ما نزل من الوحي كان أمرًا بالقراءة: “اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم.” هذه الآيات حجة على أمّة تضع “اقرأ” في صدر رسالتها ثم تتعثر في تعليم القراءة نفسها… أليس في الأمر مفارقة محبطة؟

بين الميزانية والنتيجة

ومن الطبيعي أن يستفزنا مشكل التعليم، نظرا لأهميته وخطورته في حياة الإنسان بصفة عامة، وفي حياة الشعوب التي تتوق إلى الرقي والازدهار بصفة خاصة.

لذلك، من حق المواطن أن يسأل: كيف يمكن لقطاعٍ تُرصد له اعتمادات ضخمة أن يظل عاجزًا عن تحويل الإنفاق إلى أثرٍ ملموس داخل الفصل؟ فوفق معطيات مشروع قانون المالية لسنة 2026 تُقدَّم ميزانية التربية الوطنية كإحدى أكبر ميزانيات الدولة، حيث تناهز حوالي 97 مليار درهم كما نُشرت في الوثائق المرافقة.

والسؤال هنا ليس: “هل أنفقنا؟” بل: “هل أنفقنا بذكاء؟” ما معنى أن نرفع الاعتمادات ثم نرى طفلًا في سنٍّ مبكرة يتعثر في قراءة جملة بسيطة، أو يرتبك أمام أبسط مسائل الحساب؟

ثم هناك مرآة لا تعرف المجاملة: سوق الشغل. حين تقول المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة استقر في حدود 13% خلال سنة 2025، وأن بطالة الشباب (ما بين 15–24 سنة) ما تزال هي الأعلى، فهذا ليس رقمًا محايدًا؛ إنه رسالة قاسية تقول أن المدرسة لا تزال تُخرج، في حالات كثيرة، من لا يجد مكانه في الاقتصاد ولا في المجتمع.

فهل الخلل في المناهج وحدها؟ أم في التوجيه؟ أم في علاقة المدرسة بالمحيط الإنتاجي؟ أم في الحكامة التي تجعل المشاريع تتناسل بينما الأثر يتأخر؟

ولأن الكلام لا ينبغي أن يبقى عاطفةً فقط، تكفي مرآتان إضافيتان لا تجاملان أحدًا:

الأولى مرآة الرقابة والمساءلة. وخير مثال هو تجربة “البرنامج الاستعجالي” 2009–2012 التي عُبئت لها اعتمادات كبيرة، ثم خلصت تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى اختلالات في الحكامة والتتبع والبرمجة.

والسؤال الذي يردده المغاربة بلسانٍ بسيط لكنه عميق: أين تتسرب النفقات حين لا يتحول الإنفاق إلى أثر؟

والثانية مرآة المقارنة الدولية، حيث أبرزت نتائج PISA 2022 فجوةً مقلقة في التعلمات الأساسية، بأداءٍ أدنى بكثير من متوسط دول OCDE. كما تداولت تقارير صحفية، استنادًا إلى نتائج مؤشر المعرفة العالمي، أن تموقع المغرب يظل ضمن مراتب متأخرة قياسًا بحجم الانتظارات والإمكانات. هذه المؤشرات لا ينبغي النظر إليها بإحباط، بل لقياس المسافة بين “مدرسة نريدها” ومدرسة نعيشها.

إرادة في القمة… وتعثر في التنزيل

إن صاحب الجلالة، نصره الله وأيده، يقر صراحة في أكثر من مناسبة بأزمة التعليم في المغرب مؤكدا أن المنظومة التربوية لم تعد تلبي طموحات المغاربة وتواجه تحديات كبرى وفي مقدمتها جودة التعليم، وملاءمة التكوين لسوق الشغل، والاختلالات المنهجية. فلقد أكد في خطاباته بشكل واضح على أن “إصلاح التعليم هو قضية المجتمع بمختلف مكوناته، من قطاعات حكومية وجماعات ترابية ومجالس استشارية ومؤسسات وطنية وفاعلين جمعويين ومثقفين ومفكرين..”.

وهذا ما يستوجب ضرورة إحداث ورش حقيقي، جدي وفعال للإصلاح يستهدف بناء مدرسة منتجة للكفاءات من أجل تحقيق تنمية شاملة.. مدرسة حديثة مع الحفاظ على مقومات البلاد وثوابتها، عوض الخوض في تجارب ارتجالية لا تؤدي سوى إلى تراكم الإخفاقات وهدر المال العام..

المشكلة إذن ليست في غياب الوعي أو الإرادة في أعلى الهرم، بل في تعثر ترجمة التوجيهات إلى نتائج. وهنا يبدأ النقاش الحقيقي: أين تنقطع السلسلة؟ في التخطيط؟ في التنفيذ؟ في الموارد البشرية؟ في التتبع؟ في تضارب الاختصاصات؟ أم في “منطق المواسم” الذي يجعل كل إصلاح يبدأ بصفحة بيضاء وكأن ما قبله لم يكن؟

حلقة الإصلاح المفرغة

بيت القصيد أن العطب ليس “تقنيًا” فقط، بل هو مؤسساتيّ وسياسي في جوهره: تتبدّل البرامج بتبدّل الوجوه، وتُطوى مشاريع بمجرد تغير الحكومة أو الوزير، لا لأنها فاشلة بالضرورة، بل لأنها لا تحمل توقيع الفريق الجديد. فنبدأ كل مرة من الصفر، ويتعلم الحجامة في رؤوس اليتامى: عناوين براقة، قاموس حديث، عروض منمقة… ثم يعود الواقع فيُحرج الورق.

فلقد تعاقب على وزارة التعليم أكثر من 30 وزيرا منذ بداية الاستقلال إلى الآن بمختلف ألوانهم وانتماءاتهم.. وكل وزير رحل، يترك لخلفه إرثا ثقيلا.. كما خضعت الوزارة إلى العديد من التغييرات في تسمياتها وصلاحياتها، كان آخرها “وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة”.. ما قدو فيل زدناه فيلة…

ولقد اعتاد عموم الناس على تحميل مسؤولية النجاح أو الفشل للوزير وحده في تدبير وزارة معينة، علما بأن الوزير ما هو إلا عضو يخضع للسياسة العامة للدولة وللبرنامج الحكومي، والحكومة نفسها تخضع للرقابة البرلمانية.. لكن الوزير يمكن أن تكون له بصمة إيجابية في حسن التسيير والتدبير إذا كان مؤهلا وشجاعا في اتخاذ القرارات..

الإصلاح لا يدبَّر بعقلية “الموسم السياسي”. الإصلاح نفس طويل: استمرار، تصحيح تدريجي، بناء على المعطيات، لا بناء على الرغبة في إعلان “ولادة جديدة” كل خمس أو ست سنوات.

وهنا يأتي السؤال الذي لا بد منه: من يملك الشجاعة ليقول للناس “لن نبدأ من جديد… سنُكمل ونُحسن ونُصلح ما انكسر” بدل أن نهدر الزمن في تغيير اللافتات؟

ثم يتعقد الأمر حين تتحول الحكامة إلى هرم إداري ضخم: مديريات، مصالح، أكاديميات، لجان، مجالس، وكالات، هيئات تخصص لها ميزانيات ضخمة دون أثر حقيقي على أرض الواقع… فلا يشعر المواطن أن هذا التضخم الإداري يترجم إلى حل ملموس داخل القسم. فينطق المثل الشعبي: “ألمزوق من برا… آش خبارك من داخل؟”

وهنا يحقّ لنا أن نُصعّد السؤال درجة أخرى، لا بدافع التشكيك، بل بدافع الإنصاف: حين يتعدد المتدخلون وتتقاطع الاختصاصات، من يملك سلطة الحسم؟ ومن يملك سلطة إيقاف العبث إذا تعارضت المصالح، أو إذا تاهت المسؤوليات بين المكاتب واللجان والتوقيعات؟

والأخطر من التضخم: المساءلة. الإصلاح الحقيقي لا يكتفي بترتيب الوثائق، بل يربط كل خطوة بسؤال قاسٍ: من المسؤول عن التعثر؟ من الذي يُحاسَب؟ ما الذي نجح؟ ما الذي فشل؟ ولماذا؟ وكيف نصحح دون أن نكسر ما يعمل؟ لأن غياب هذا السؤال يحول التقويم إلى “أرقام بلا أثر” و”تقارير بلا قرار”.

دعونا نتفق على شيءٍ بسيط: الإصلاح ليس بيانًا صحفيًا ولا عرضًا جميلًا في شاشة. الإصلاح تفاصيل يومية تُقاس ولا تُخمن: من يحضر فعلا إلى القسم؟ من يدرّس؟ كيف يُدرّس؟ من يواكب؟ من يقيّم؟ ومن يصحح المسار حين يختلّ؟ لأن أي إصلاح لا يهبط إلى هذه التفاصيل، يبقى معلّقًا في الهواء… ويظل الطفل وحده يدفع ثمن التجريب.

مرآة الزمن

حتى تكون لنا نظرة شاملة على الموضوع، لابد من استعمال مرآة الرؤية الخلفية للإطلالة على جانب من الماضي وربطه بالحاضر لكي تتوفر لدينا صورة واضحة على المستقبل..

حين أستحضر المدرسة القديمة لا أفعل ذلك هربًا إلى الماضي، ولا تمجيدًا لكل ما كان فيه. نعم، كانت هناك صرامة مفرطة أحيانًا وصلت إلى عقوبات جسدية نرفضها اليوم لأنها تمس كرامة الطفل وتشوّه معنى التربية. لكن لا يمكن أيضًا أن نكذب على أنفسنا: كان هناك احترام للقسم، واعتراف بقيمة الأستاذ، وضبط للزمن المدرسي، ووضوح في الأساسيات.

حين كنا نلتحق بالمدرسة الابتدائية لأول مرة، فإن أول ما كان يثير انتباهنا هو ذلك الشعار المكتوب على الجدار الأمامي للمؤسسة بخط ساطع، وبحروف غليظة تجلب الأنظار: العلم نور والجهل عار. إنها كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، تلازمها طقوس تغذي نفس المتعلم منذ الوهلة الأولى وتنمي لديه الشعور بالمسؤولية وتزرع فيه الروح الوطنية، كاصطفاف التلاميذ مثلا أمام الأقسام بنظام وانتظام، وترديدهم للنشيد الوطني في كثير من المؤسسات.. ومباشرة بعد ولوجهم إلى القسم، يجدون المعلم في انتظارهم، بشخصيته المهيبة، وببذلته الأنيقة، حليق الذقن ومرتب الشعر؛ فيقفون احتراما وتبجيلا للمعلم، ولا يجلسون إلا بعد أن يأمرهم بالجلوس… فهكذا كانت تصنع الأسس التربوية المتينة من أجل تحصين الأجيال من الانزلاقات..

كانت المقررات تستجيب لمتطلبات الأمة التي تعتمد أساسا على التربية موازاة بالتعليم، فالتربية تعتبر هي الإناء، والعلم محتوى..

أتذكر كتاب العربية “اقرأ”، وأتذكر كتاب الفرنسية بعنوانه المحفور بذاكرتنا الجمعية: Bonjour Ali, Bonjour Fatima. … كنا نحتفظ بهذين الكتابين مع دفترين داخل خزانة القسم في آخر النهار حتى لا نثقل بها كاهلنا ذهابا وإيابا بين المنزل والمدرسة، وكنا نكتفي بالدروس التي نتلقاها في الأقسام دون الحاجة إلى دروس التقوية أو دروس إضافية.

وحتى في زمنٍ كانت فيه ظلال الحماية الثقافية حاضرة، ظل في تفاصيل المدرسة شيء من المغرب: أسماء مغربية، وملامح محلية، وإحساس بأن التعلم لا يعني أن نفقد أنفسنا. كان التعليم يومها أقل تضخمًا في الورق، وأكثر تركيزًا على الأساس.

واليوم نرى مفارقة جارحة: حقيبة أثقل، وجدول زمني أطول، ومقررات متشعبة… ثم تلميذ يتعثر في القراءة، ويهرب من الحساب، ويخجل من التعبير. كأننا نعطيه أحمالًا أكثر مما نعطيه أدوات.

صحيح أن لكل زمان جيله الذي يخضع لبيئة وظروف خاصة به. وقد سبقنا إلى هذه الحقيقة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بقوله:” لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم”. لكن كل جيل مطالب بالاجتهاد والابتكار والعمل الصالح من أجل تطوير حياته والرقي بها إلى الأفضل لا العكس. ولن يتأتى له ذلك إلا عبر التعليم الجيد القائم على أسس التربية والمعرفة الصحيحة كوسيلة أساسية لتحصيل العلم النافع الذي يخدم الفرد والمجتمع بدل العلم من أجل تحصيل معارف عقيمة.

الهجرة القروية… مدرسة تُهجِّر الناس

ينص دستور المملكة المغربية لعام 2011 في فصليه 31 و32 على مجانية التعليم، خاصة في مراحله الأساسية. فإذا كان المبدأ هو المجانية بالنسبة للتعليم العمومي، فإن الآباء يتحملون وزر المصاريف الخاصة بالتسجيل، وشراء الكتب وجميع اللوازم المدرسية، بالإضافة إلى مصاريف النقل المدرسي وغيرها..

إن قصة المصاريف الدراسية ترجع بنا إلى بداية الاستقلال، وخاصة بعد التعميم والمغربة. حين أصبح المغاربة واعين بأهمية التعليم.

فمن زوايا الأزمة التي لا ينبغي أن تُختزل في “المنهاج” وحده: الهجرة القروية منذ الاستقلال. كثير من الأسر باعت أرضها أو شدّت الرحال نحو هوامش المدن لأن المدرسة كانت ولا تزال بوابة الأمل الوحيدة، حيث أن الدراسة آنذاك كانت تضمن الترقية الاجتماعية بالتوظيف في مناصب إدارية وسياسية وعسكرية محترمة أعطت أفواجا من الأطر العليا ساهمت في بناء المغرب الحديث.. كما كانت هناك هجرة عكسية من نوع آخر: هجرة رأس المال التجاري والعقاري من المدن للاستثمار الفلاحي بالعالم القروي كلفته قليلة بفضل الإعفاء الضريبي.

لكن هذه الهجرة صنعت مفارقة مزدوجة: قرى تُفرَّغ من شبابها وخدماتها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 8 دقائق
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 23 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 16 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 48 دقيقة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 23 ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة
Le12.ma منذ ساعة