في الشرق الأوسط، نادراً ما تبقى الحروب محصورة بين طرفين. الصواريخ قد تنطلق من جبهة، لكن ارتداداتها الاقتصادية والسياسية تمتد لتصل إلى دول عدة.
الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل ليست استثناءً؛ فبينما تبدو المواجهة عسكرية مباشرة بين دولتين، فإن تداعياتها بدأت تتسرب سريعاً إلى دول أخرى، وفي مقدمتها سوريا التي تقف اليوم عند تقاطع هش بين أزمات داخلية عميقة وبيئة إقليمية متفجرة.
كما أن تأثير الحرب في دول الخليج يضيف طبقة جديدة من المخاطر غير المباشرة على الاقتصاد السوري، سواء عبر الطاقة أو التحويلات أو الاستثمارات.
الطاقة.. الضربة الأولى والأسرع
منذ اندلاع التصعيد، كان قطاع الطاقة أول الضحايا في سوريا.
يرصد الخبير الاقتصادي غازي المهايني لـ«إرم بزنس» هذا التحول، قائلاً إن آثار الحرب «بدأت تظهر بشكل سريع ومباشر على سوريا من خلال تباطؤ توريد النفط والغاز عبر الأردن ومصر، وربما تتفاقم هذه الأزمة مع مرور الوقت».
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما يوضحه أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير، فراس شعبو، لـ«إرم بزنس»، من أن أسعار النفط مرشحة للارتفاع فورياً بين 10 و12 دولاراً للبرميل، فيما ارتفع الغاز عالمياً بنحو 50%، مع توقف خط إمداد الغاز القادم من مصر، ما أفضى إلى تمديد ساعات التقنين الكهربائي.
غير أن الأثر لا يتوقف عند الكهرباء. يشرح شعبو أن الطاقة هي «عمود أي اقتصاد»، وأن ارتفاع أسعارها ينعكس تلقائياً على نحو 95 سلعة أساسية في السوق السورية، من تكاليف النقل إلى الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية. والنتيجة الحتمية في اقتصاد كالسوري: «أي زيادة في أسعار الطاقة فوراً تتحول إلى تضخم فوري»، في ظل دولة تتجه نحو رفع الدعم وفتح السوق، من دون أن تمتلك أدوات كافية لحماية المواطنين من تبعات هذا التحول.
التحويلات والاستثمار.. رهينة مدة الحرب
يشكّل السوريون العاملون في دول الخليج شرياناً مالياً حيوياً لبلادهم.
يحذّر المهايني من أن استمرار الحرب قد يدفع الشركات في الخليج نحو «موجات تسريح كبيرة»، ما سينعكس مباشرة على حجم التحويلات.
ويتفق شعبو مع هذا التقدير، لكنه يفرّق بين سيناريوهين: إذا كانت الحرب قصيرة الأمد فالتأثير سيكون محدوداً، أما إذا امتدت فـ«ستخف التحويلات وتتراجع معدلات النمو ويتقلص حجم العمالة السورية في الخليج».
أما الاستثمارات الخليجية في سوريا، فيرى المهايني أنها ذات طبيعة استراتيجية وطويلة الأجل، وقد تجد بعض الدول في المرحلة الراهنة دافعاً لتنويع استثماراتها الخارجية بما يشمل سوريا.
بينما يرى شعبو أن المستثمرين في أوقات الأزمات يميلون نحو الأسواق الأقل مخاطرة، وسوريا تُصنَّف أصلاً «سوقاً عالي المخاطر جداً»، ما قد يدفع كثيراً من المشروعات نحو التأجيل أو إعادة التقييم.
ويتفق الخبيران على أن أي انتعاش استثماري مشروط بقدرة سوريا على توفير بيئة جاذبة، وهو ما يظل بعيد المنال في ظل غياب البنية التحتية والمصرفية واللوجستية والاستقرار الأمني.
الخليج في المعادلة.. توتر بلا حرب مباشرة
لا تقع دول الخليج في قلب المواجهة العسكرية، غير أنها لا تقف بمنأى عنها. فالتوترات الإقليمية المتصاعدة تُلقي بظلالها على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وتخلق حالة من الترقب تؤثر في قرارات الاستثمار وتوجهات رجال الأعمال.
ويرى الخبيران أنه كلما طال أمد الحرب، تصاعد احتمال أن تتراجع وتيرة النشاط الاقتصادي في المنطقة، وهو ما ينعكس بصورة غير مباشرة على سوريا عبر القنوات ذاتها: الطاقة والتحويلات والاستثمار.
ويصف شعبو سوريا بأنها «اقتصاد لا يملك احتياطيات كافية لامتصاص الصدمات، ولا قدرات تصديرية، ويعتمد على الاستيراد بشكل كبير»، ما يجعل أي اضطراب إقليمي طويل الأمد يُترجَم حتماً إلى تضخم وضغط على الليرة وتباطؤ في الاستثمار وتوسع في الاقتصاد غير الرسمي.
ويخلص المهايني بدوره إلى أن التأثير «سيبقى سلبياً في حدوده الدنيا» طالما أن سوريا لا تمتلك الأدوات اللازمة لتحويل أي فرصة ناجمة عن الحرب إلى مكسب فعلي.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
