أكد المحلل السياسي أحمد العبود أن أي نقاش حول الإطار الاقتصادي في ليبيا يجب أن يكون مبنيًا على ميزانية الدولة المعتمدة من مجلس النواب، وأن يتم تنفيذها بشكل كامل عبر مصرف ليبيا المركزي، مؤكدًا أن أي حديث عن الوضع الاقتصادي خارج هذا الإطار يعتبر غير واقعي.
وأشار العبود في حديث لقناة ليبيا الأحرار رصدته الساعة 24 إلى أن الاتفاق التنموي لم تتضح معالمه حتى الآن، لافتًا إلى أن التركيز يجب أن يكون على الباب الثالث من الاتفاق، المتعلق بالتنمية، فيما يخص الميزانية العامة للدولة. ولفت إلى أن الباب الأول الخاص بالمرتبات لا يوجد حوله خلاف، وأن الباب الثاني المتعلق بالمصروفات التشغيلية تم الاتفاق عليه، بينما يبقى الباب الثالث مفتوحًا دون توافق بين المؤسسات المنقسمة، مع وجود تدخل من فاعلين خارجيين يؤثر على إمكانية التوصل إلى حلول، مما يعكس تعقيد مسار العملية التنموية في البلاد.
وعلى الصعيد الدولي، لفت العبود إلى أن الولايات المتحدة تتصرف برغبة واضحة في حماية مصالحها، واصفًا سياساتها بالبراغماتية، حيث تسعى لتعزيز مصالحها من خلال الاستفادة من الفرص المتاحة، بما فيها الأوضاع الاقتصادية في ليبيا.
وبينّ أن الخطة الأمريكية التي تستهدف توحيد المؤسسات الليبية تبدو في بدايتها ناجحة من حيث توحيد المصرف المركزي، إلا أن الواقع السياسي المنقسم، خاصة بين حكومتي الشرق والغرب، يشكل تحديًا كبيرًا أمام تنفيذ هذه الخطة بشكل كامل.
وأوضح العبود أن القيادة العامة للقوات المسلحة تتعامل بشكل مباشر مع الفاعلين الرئيسيين على الأرض، بينما تتجنب التفاعل المباشر مع المؤسسات السياسية المنقسمة، مشيرًا إلى أن النهج الأمريكي يميل إلى عدم التدخل المباشر في المؤسسات السياسية، والتركيز على الجانب المالي والنقدي، بما يشمل دور صندوق النقد الدولي.
كما شدد على أهمية التنسيق بين القيادة العامة والحكومة والمؤسسات الدولية، بما في ذلك الزيارات بين المسؤولين الليبيين ونظرائهم في روما وباريس وواشنطن، لإيجاد آليات آمنة تسمح بانخراط الشركات الأمريكية في قطاع النفط والغاز الليبي، خصوصًا في ظل الأزمات الإقليمية مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتأثيراتها على أسواق النفط والطاقة.
ورأى العبود إلى أن ليبيا رغم مشاكلها المحدودة مقارنة بالدول الأخرى، تمتلك إمكانات كبيرة لتحقيق نموذج تنموي ناجح، إلا أن الإنتاج النفطي الحالي لا يتجاوز مليونًا وثلاثمائة ألف برميل يوميًا، ما يجعل مراقبة التوريدات وضمان عدم حدوث نقص أمرًا بالغ الأهمية للدول المتعاقدة مع ليبيا.
وأكد أيضًا دور صندوق إعمار ليبيا، الذي أنشأه مجلس النواب، وحقق نجاحات ظاهرة في الشرق الليبي ومناطق أخرى، بوصفه أحد العناصر الضرورية في أي اتفاق تنموي، مشيرًا إلى أن الاستفادة الفعلية من الموارد الوطنية تتطلب حوكمة قوية وتنفيذ فعلي للاتفاقات، مع مراعاة الانقسام السياسي القائم والواقع الاقتصادي المعقد.
واعتبر العبود أن ليبيا اليوم تدفع ثمن الفرص الضائعة منذ اندلاع الأزمة في 2011، حيث ما زالت المشاكل الاقتصادية تتكرر، خاصة فيما يتعلق بالميزانية العامة للدولة. وأشار إلى أن الميزانية الحالية بحاجة إلى إعادة هندسة كاملة لتواكب متطلبات العصر، مشيراً إلى أن النماذج السابقة كانت مناسبة للسبعينات والثمانينات والتسعينات، لكنها لم تعد صالحة لعالم اليوم.
وشدد العبود على ضرورة البحث عن هوية اقتصادية جديدة لليبيا، ترتكز على عدالة توزيع التنمية والموارد بين الأقاليم الثلاثة، مع مراعاة قاعدة التساوي والحقوق لجميع المناطق. مبيناً أن هذه المسألة تمثل المستوى الثاني للاقتصاد الليبي، وتستلزم سياسات نقدية محسوبة وخطط إصلاح حقيقية لمعالجة مشاكل الدولة الاقتصادية.
من جهة ثانية، أكد المحلل السياسي على أهمية ترشيد الإنفاق العام ومكافحة الهدر الممنهج والفساد الذي يشكل أحد أهم التحديات، حيث اعتبر أن استمرار الأزمة المالية والاقتصادية نتيجة للإدارة المركزية غير الفعالة للموارد، ما عزز من تفشي الفساد وأدى إلى ضياع فرص حقيقية للتنمية.
وأردف بالقول: إن ليبيا أهدرت العديد من الفرص الاقتصادية والتنموية، خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمي وتداعيات الأزمة الأوكرانية. منوهاً إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط كان يفترض أن تعزز إنتاجها وتطور الموانئ والحقول، لكنها لم تستفد بشكل كامل من هذه الفرص، ما أثر على قدرة الدولة على إجراء إصلاحات استراتيجية.
ورأى العبود ضرورة مشاركة جميع الأطراف المعنية في إدارة الموارد المالية والتعاقدات السابقة مع المصرف المركزي، بما يشمل الصناديق التنموية والجهاز الوطني للتنمية، لتجنب الإقصاء وضمان استدامة المشاريع الاقتصادية ومشاريع الإعمار. وأكد أحمد العبود أن تغيير الشخصيات الحاكمة يؤدي غالبًا إلى تغيّر السياسات، إلا أن المؤسسات القائمة تبقى محورًا أساسيًا سواء بفعل القرارات الدولية أو المراحل الانتقالية التي عاشتها البلاد.
وتابع: أن الميزانية العامة للدولة لم تصادق عليها السلطة التشريعية منذ 2011، وأن الانفاق الحكومي، بما في ذلك مشاريع صندوق الإعمار وجهاز التنمية، أسهم بشكل فعلي في تحقيق إنجازات ملموسة رغم الأزمة الاقتصادية المستمرة. وأكد أن التفاوت بين الانفاق الرسمي والانفاق الموازٍ لا يعكس فشل الصندوق، بل يرجع إلى غياب المساءلة والمحاسبة عن أداء الحكومات المتعاقبة.
واعتبر أن مشاريع الإعمار التنموية الكبرى في الشرق والجنوب شملت مطارات جديدة، ومصانع للأسمنت، بالإضافة إلى خطوط النقل البري التي تربط ليبيا بالدول المجاورة مثل النيجر وتشاد. كما أوضح أن المشاريع السكانية والوحدات الصحية الجديدة، بما فيها مستشفيات في بنغازي وسرت، تمثل خطوات ملموسة نحو تنمية المناطق الجنوبية والشرقية التي غابت عنها التنمية لأكثر من أربعين عامًا، حيث عاش السكان في ظروف صعبة وافتقدوا الخدمات الأساسية. وأكد العبود أن التوزيع العادل للفرص التنموية يمثل مفتاح معالجة حالة التهميش الطويلة التي عاشت فيها بعض المناطق، ويضع أسسًا لنمو اقتصادي متوازن ومستدام، مستغلًا الإمكانيات الكبيرة للبلاد في مختلف المجالات.
ولفت إلى أن فرص الاستثمار في القطاع النفطي يجب أن تكون متاحة لجميع الشركات، مع تمكين الدولة من الرقابة ووضع الشروط والمعايير لضمان استثمار فعال، بما يسهم في تعزيز القدرة الإنتاجية للمؤسسة الوطنية للنفط والاستفادة من العقود بما يدعم التنمية الشاملة.
وبالحديث عن شركة أركنو والجدل المثار حولها، بين العبود أن حديث رئيس الحكومة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة حول شركة أركنو في وقت سابق تناول سبب منح الترخيص لها رغم كونها جهة خصم ، مشيرًا إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط أكدت أنها منحت فرصًا لشركات متعددة، وأن مستوى الإيرادات والتفاهمات بين الشركة والمؤسسة يتضمن جوانبًا فنية وتعاقدية لا يملك هو معلومات دقيقة عنها.
وأضاف العبود أن المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة استفادت من عمليات تطوير خطوط الإنتاج والأنابيب النفطية، مؤكدًا أن التقارير الرسمية الصادرة عن المؤسسة والحكومة تشير إلى جوانب محددة لا يجوز اختزالها في محاولات شيطنة جهة سياسية معينة.
واستطرد: النقاش الحالي حول أركنو لا يتمتع بالشفافية الكافية، مضيفًا أن الادعاءات التي تربط الشركة بالفريق أول ركن صدام حفتر تتطلب دليلًا ملموسًا، وأن التقارير التي تشير إلى عائدات بثلاثة مليارات للسنوات الماضية تحتاج إلى توثيق دقيق للإنتاج الفعلي والعقود القائمة. مشدداً على أن الهدف ليس المساءلة السياسية، بل عرض الوقائع بشكل شفاف لمواجهة أي ادعاءات أو تفسيرات مغلوطة.
وأشار العبود إلى أن لجنة الخبراء التي أعدت التقارير الأخيرة تضم أعضاءً دوليين لا علاقة لهم مباشرة بالسياسات النفطية أو الاقتصادية الليبية، وأن منهجية التقرير اعتمدت على معلومات غير دقيقة في كثير من الأحيان، ما يبرز الحاجة لقراءة نقدية للبيانات قبل استخلاص استنتاجات حول ملكية أو أرباح الشركة المعنية.
وأضاف أن الاستثمار في القطاع النفطي يجب أن يُنظر إليه من زاوية تطوير الصناعة والنهوض بالموانئ والحقول، وليس مجرد أداة لصراع سياسي، مؤكّدًا أن شركات أخرى حصلت على فرص مشابهة للاستثمار وأن الدولة تتحكم في الإدارة والمراقبة ووضع الشروط لضمان استدامة الإنتاج.
وقال العبود إن الحل السياسي تعثر منذ دخول ليبيا في دوامة المراحل الانتقالية، مع تدخّل الولايات المتحدة الأمريكية عبر مبعوثها مسعد بولس للبحث عن مصالحها، رغم أن هذا المسار شمل بعض النجاحات، إلا أنه لم يحقق تسريعًا للاتفاق السياسي. وأضاف أن دعوة الولايات المتحدة لعقد منتدى اقتصادي جاءت بعد جولات عديدة كان الهدف منها معالجة اعتراض صندوق الإعمار على الاتفاقيات القائمة، بما فيها الميزانية، مؤكدًا أن خلافات كبيرة كما يُسوّق لها اليوم ليست حقيقية. منوهاً إلى أن بيان صندوق الإعمار جاء في إطار القضايا المعلقة والديون والتعاقدات التي أدارها الصندوق عبر خبرائه وفنييه، مشيرًا إلى أن الصندوق يريد النقاش حول هذه القضايا دون أن يمثله أي طرف آخر خارج إدارته.
هذا المحتوى مقدم من الساعة 24 - ليبيا
