عَن الثّقة، الخِداع، وثَمن البَراءَة
هذا النص ثمرةَ عبارةٍ وردتني في رسالة نصية من الأستاذ والصّحفي المقتدر نَعيم كَمال، عبارة تسلّلت إلى الوجدان، لكنها ما لبثت أن تحوّلت من مجرد كلام عابر بيْنَنا إلى شرارةٍ خفيّة أيقظت الرّغبة في الكتابة. ومن ذلك الأثر الخافت بدأ المعنى يتشكل شيئاً فشيئاً، حتى انبسط في هذا النص بوصفه امتداداً لما اختزنته من إيحاء.
حينَ تخونُ النيّة صَاحبها
أيُّ طمأنينةٍ هذه التي تدْعونا إلى أن نُحسن الظنّ بالعالم حتى وهو يكشف أنْيابه؟ وأيُّ نيّةٍ تلك التي يمدحُها النّاس إذا كانت تقودُ صاحبها أحيانًا إلى حضن الخطر بدل أن تقوده إلى نجاة الروح؟ هل تكفي براءة القلب لكي تروّض سُمَّ الحياة، أم أنّ العالم لا يقرأ ما في الصدور بقدر ما يختبر ما في العقول من يقظة؟ ثم من قال إنّ الحيّة تسكن البراري وحدها؟ ألا تزْحَفُ أحيانًا في السِّياسة حينَ تتزيّنُ بلباس الحماية، وفي المجتمع حين يتجمّل النّفاق بأدب المعاشرة، وفي الثقافة حين تخفي الفكرةُ البرَّاقة خواءها تحت زينة اللغة؟ ثم ما الحيّة هنا: أهي شخصٌ، أم سلطةٌ، أم عادةٌ، أم فكرةٌ، أم زمنٌ كاملٌ يُتقن التخفّي تحت أسماء مُطمئنة؟
بين حُسن النّية ولَسْعَة الحيّة
“ديرْ النّية وْبَاتْ مع الحيّة” ليس مثلًا يُقال للتندّر فحسب، إنه خلاصةُ خيبةٍ إنسانيةٍ طويلة مع ظاهر الأشياء. ففي الحياة، لا تكفي النيّة الطيّبة وحدها لتأمين المرء من الأذى، كما لا يكفي صفاء القلب ليجعل العالم أقلَّ افتراسًا. إنّها حكمةٌ خرجت من احتكاك الناس بأهل الوقت: أولئك الذين يلبسون الوداعة قناعًا، ويُخفون تحت الكلمات الناعمة أنيابَ المصلحة، فلا يستكينُ الخطر دائمًا في العداوة المعلنة، بقدر ما يتخفّى في الأمان الذي يُوضَع في غير موضعه. غير أنّ المثل، على قسوته، لا يدعو إلى التوحّش ولا إلى الشكّ المرضيّ في كل أحد، ذلك أنه يضع الطمأنينة نفسها موضعَ سؤال: على أيّ أساس نطمئنّ؟ أهو على حسن نيّتنا نحن، أم على معرفةٍ راسخة بطبيعة مَن حولنا؟ هنا يتبيّن أن الطمأنينة، في معناها الفكري العميق، ليست استسلامًا ساذجًا، ولا نومًا في حضن العالم، إنها وعيٌ يقِظٌ يعرفُ أن الخيْر مُمكن، لكنّه لا يُفترض في كل وجه، وأن الثّقة فَضيلة، لكنّها لا تُمنح من غير بَصيرة. ولعلّ مأساة كثيرين أنّهم ظنّوا الطمأنينة غيابَ الحذر، مع أنّها في حقيقتها مصالحةٌ بين القلب والعقل: أن تبقى نقيّ السَّريرة من غير أن تكونَ لقمةً سهلة، وأن تحفظ حُسن الظن من غير أن تجعلَه عَمًى، وأن تعرف أنّ أهل الوقت يتبدّلون كما يتبدّل الطقس، فلا تَسندَ روحك إلّا إلى ما ثبت جوهرُه في الامتحان. لا يهينُ المثلُ النيّة، ذلك أنه ينقذُها من السّذاجة. يقول لنا: كن طيّبًا، لكنْ لا تكن غافلًا؛ كُنْ نقيًّا، لكن لا تكن أعزلَ الوعي، لأن الحياة لا ترحم من ينامُ مع الحيّة اعتمادًا على صفاء نيّته وحده.
النَّومُ قُرْب السُّمّ
كثير من الناس لا يخافون الشرّ الصّريح، يخافون العزلة؛ ولذلكَ يعقدُون هدنةً خفيّة مع كل ما يجرحُهم. يجاملون، ويبتسمون، ويقولون: “ديرْ النيّة”، ثم يضعُون رؤوسهم على وسَائد صنعتها المجاملة. هكذا تُنتج الجماعة نوعًا من سكينة كاذبة تقوم على دفن التّوتر لا على حَلِّه، وعلى ستْر القُبح لا على مُواجهته. في المجالس والعلاقات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
