كيف أصبح المغرب لاعبا مهما في مجال الدبلوماسية الإقليمية والدولية؟

على مدى العقدين الأخيرين، أصبح المغرب نموذجا متميزا في مجال الدبلوماسية الإقليمية والدولية، ليس فقط بفضل موقعه الجغرافي الاستراتيجي على بوابة أوروبا وإفريقيا، بل أيضا بسبب الرؤية السياسية الواضحة التي تعتمدها الرباط على المدى الطويل.

تحويل ملفات حساسة إلى أوراق قوة

وبفضل دبلوماسيتها الرصينة، تمكنت المملكة من تحويل ملفات حساسة كانت تعتبر معقدة أو حتى مستعصية إلى أوراق قوة دبلوماسية، ويظهر ذلك بوضوح في كيفية تعاملها مع قضية الصحراء المغربية.

وشكلت التحولات التي شهدها الموقف الإسباني في هذا القضية منذ سنة 2022، لا سيما الرسالة التي وجهها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى المغرب، نقطة تحول حاسمة أتاحتها الدبلوماسية المغربية لاستثمارها بشكل استراتيجي لتعزيز موقفها الدولي.

صحيفة لاراثون الإسبانية، سلطت الضوء على أن نجاح المغرب ليس نتاج مصادفة أو ظرف سياسي عابر ، بل هو نتيجة تراكمات سياسية واستراتيجيات مدروسة بعناية ، حيث تمكنت المملكة من بناء شبكات دبلوماسية واسعة داخل مراكز القرار في أوروبا والولايات المتحدة، قادرة على التأثير على صناع القرار في ملفات الاقتصاد والأمن والهجرة.

هذه الشبكات، بحسب الصحيفة، لم تكتفِ بالضغط التقليدي بل وظفت تحليلا دقيقا للتوازنات الدولية ، ما أتاح للمغرب استثمار تحولات كبرى مثل توقيع اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل، والحصول على اعتراف أمريكي بسيادته على صحرائه.

مواجهة مصالح بعض الدول

ولقد أظهرت هذه الخطوة، قدرتها على تغيير موازين القوى الإقليمية لصالح المغرب، بما في ذلك في مواجهة مصالح بعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا، التي وجدت نفسها متأخرة في إدارة هذا الملف الحيوي، وفق التقرير.

ما يميز الدبلوماسية المغربية، وفق لاراثون ، هو التركيز على المدى الطويل والاستراتيجية المتكاملة، بعكس نهج ردود الفعل الذي تتبعه بعض الدول الأوروبية، حيث يعتمد المغرب على رؤية واضحة تستند إلى الثبات في المواقف وسياسة متسقة لا تتغير بتغير الحكومات أو الظروف الدولية المؤقتة .

هذا الانضباط الاستراتيجيي، يضيف المصدر، يمنح الرباط ميزة تمكنها من فرض توقيتها في معالجة الملفات الحساسة، سواء أكانت تتعلق بالمعابر الحدودية لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين أو بالسيطرة على موارد استراتيجية مثل الهجرة والعمل التجاري الحدودي.

ولقد أثبت المغرب، بحسب الصحيفة، أنه قادر على تحويل القضايا الداخلية أو الإقليمية المعقدة إلى أدوات ضغط فعالة تعزز مكانته وتفرض احترامه من شركائه الدوليين.

الجمع بين القوة الاقتصادية والقدرة الدبلوماسية

ويشير المصدر، أيضا، إلى أن التفوق المغربي يرتكز على الجمع بين القوة الاقتصادية والقدرة الدبلوماسية، حيث نجح المغرب في تطوير سياسات اقتصادية مرتبطة بملفاته الاستراتيجية، مثل تسريع تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، واستغلال موقعه الجغرافي كممر رئيسي للتجارة بين إفريقيا وأوروبا، ما يجعله لاعبا لا يمكن تجاهله على المستويين السياسي والاقتصادي.

هذا المزيج بين النفوذ الاقتصادي والسيادة السياسية، منح الرباط أدوات ضغط متعددة تمكنها من إدارة علاقاتها الدولية بمرونة وفاعلية، بل وحتى إعادة تعريف موازين القوى الإقليمية بما يخدم مصالحها.

كما أبرزت لاراثون أن الدبلوماسية المغربية تستند إلى استثمار التحولات الكبرى في النظام الدولي، حيث لا تنتظر المملكة وقوع الأزمات بل تحاول توجيهها أو الاستفادة منها.

ويظهر هذا النهج جليا في كيفية تعامل المغرب مع الأزمة الإسبانية الداخلية المتعلقة بسبتة ومليلية، إذ استخدمت المملكة هذه المدن المحتلة كورقة استراتيجية، من خلال إجراءات تدريجية تتراوح بين إغلاق المعابر وإعادة فتحها وفق شروط تصب في مصلحتها، الأمر الذي يعكس، وفق الصحيفة، فهما عميقا للعبة الدبلوماسية السياسية والاقتصادية، واستغلالا للموارد الطبيعية والبشرية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

القدرات الداخلية على إدارة السياسة الخارجية

ويشير التقرير إلى أن قوة المغرب الدبلوماسية لا تقتصر على التحالفات الدولية، بل تشمل أيضًا القدرات الداخلية على إدارة السياسة الخارجية بشكل متسق ، موضحا أن المؤسسات المغربية تتسم بالاستقرار، وتمكن صناع القرار من تنفيذ السياسات دون التأثر بتقلبات قصيرة الأجل.

وتعزز الصحيفة في تحليلها أن المغرب لا يركز فقط على النتائج المباشرة، بل يسعى إلى بناء نفوذ مستدام على المدى الطويل، ويظهر ذلك في استراتيجيات الرباط مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث تبني الدبلوماسية المغربية تحالفاتها استنادًا إلى أهداف واضحة، مثل تعزيز الأمن الإقليمي، التحكم في تدفقات الهجرة، وتوسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي .

هذه الممارسة الاستراتيجية المستمرة والمتدرجة، تجعل المغرب قادرا على تحويل أي تغيرات في النظام الدولي إلى فرص لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي.

كما أبرز التقرير أن المغرب يعتمد على البراغماتية السياسية، حيث يجمع بين الثبات على المدى الطويل والمرونة في الاستجابة للظروف المتغيرة، لفهم كيفية التعامل مع الملفات المتشابكة، مثل قضية الصحراء، العلاقات مع إسبانيا، والتحالفات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يحقق توازنا بين المصالح الوطنية والموقع الجيوستراتيجي .

واختتمت الصحيفة تحليلها بالإشارة إلى أن المغرب بات نموذجا فريدا في المنطقة، يجمع بين استراتيجيات طويلة المدى، نفوذ اقتصادي وسياسي، وقدرة على إدارة الأزمات وتحويلها إلى أوراق قوة .


هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بلادنا 24

منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
آش نيوز منذ 4 ساعات
Le12.ma منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
Le12.ma منذ 4 ساعات
آش نيوز منذ ساعتين