المنبر الحر | مشهد من مشاهد التخلف في القارة الإفريقية

لا زالت القارة السمراء تتحفنا بنماذج من دروس التخلف؛ فعلى الرغم من أن العالم يعيش اليوم في زمن العولمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلا أن إفريقيا مصرة على جرّنا إلى الوراء أحقابا عديدة، وهنا لا نتحدث عن التخلف الاقتصادي والاجتماعي أو السياسي الذي تتقاسمه جل الدول، وهو السمة الطاغية عليها بامتياز، وإنما التخلف الحضاري بشكل عام، والذي تلمسه في سلوك وتصرفات الأفراد والجماعات في ممارستهم للحياة وطريقة تعاطيهم مع بعض القضايا والمشاكل، أو حينما تقع أحداث معينة سياسية أو اجتماعية أو رياضية.. فلا يختلف اثنان في كون المعيار الحقيقي والموضوعي لقياس درجة تحضّر وتمدّن الأمم والشعوب، هو كيف يتصرف الفرد وكيف يعيش فيها، وكيف يمارس أدواره الاجتماعية والوظيفية، وكيف يخاطب الناس ويتجادل معهم، وكيف يحل مشاكله، وكيف يحل نزاعا أو اختلافا مع غيره، وكذا مقدار اللباقة واللياقة في ذلك التعامل، وكيف هي ردود أفعاله، حتى الإحساس بالظلم أو انتهاك شخصي للخصوصية الفردية، له آدابه، حيث تجد الإنسان الراقي حضاريا يدبّر الأمر بالحكمة والتروي، ولا ينزلق إلى الاستعلاء أو الكلام الفظ أو شيء من هذا القبيل مهما كانت درجة اختلافه مع غيره، أو يقدم على فعل شنيع تمقته الفطرة السليمة والعقل السوي، والأمر في هذا السياق يتجاوز في بعض الأحيان الفرد إلى مؤسسات الدولة، التي تعكس في طرق اشتغالها أو في اتخاذ بعض القرارات، تخلفا ظاهرا لا تخطئه العين..

إن الذي يتأمل ما وقع من أحداث شغب في المقابلة النهائية لكأس إفريقيا بالمغرب بين المنتخب الوطني والمنتخب السنغالي، إذ كان الجمهور السنغالي بطلا فيها، فضلا عن انسحاب لاعبي هذا البلد من أرضية الميدان تعبيرا عن عدم الرضى على قرارات الحكم، يعطي الانطباع بأن العقلية الإفريقية مصرة على السقوط، ولا زالت تحتاج للكثير من الدروس على المستوى الثقافي والتربوي والحضاري، والمسألة في الحقيقة غير مرتبطة بهذه السلوكات الرَّعناء التي صدرت من هذا الفريق ومدربه وجمهوره وحسب، بل الأمر امتد لمجموعة من الأشخاص والمسؤولين من الدول الإفريقية حتى لا نتَّهم أجهزة أو مؤسسات بعينها، والتي عملت كل ما في وسعها على نسف وتبخيس كل ما قام به المغرب من مجهودات لإنجاح تظاهرة رياضية إفريقية تشدُّ انتباه العالم برمته، وإن كنا نعلم من يدير تلك المكائد ويحرك خيوط المؤامرة من الخلف، لكن المفاجأة هي حينما تم اكتشاف أطراف أخرى من دول أخرى كنا نخالها شقيقة أو صديقة، لم يكن أحد يتصور أنها ستسقط في هذا المستنقع الآسن أو هذا الشراك الذي نُصب لها بإحكام.

وإن كان من أمر مهم كشفت عنه النسخة الإفريقية الأخيرة لكرة القدم، فهو حجم العداء الذي تكنه العديد من الجهات في القارة للمغرب، الذي يبدو أن نجاحاته على الكثير من الصعد سبَّبت لهم مغاصات وهلوسات، وأمراضا مستعصية لن يستطيعوا التخلص منها بسهولة، كما كشفت أيضا أن أعداء النجاح في القارة التي لطالما دافع عنها المغرب في الكثير من المحافل الدولية، ورافع عنها وجعلها قِبْلة لاستثماراته الضخمة، كُثُر، وكل هذا الذي حدث هو في الواقع مناسبة وفرصة حقيقية للمغرب لكي يعيد ترتيب أوراقه مع إفريقيا على المستوى الرياضي بشكل خاص، أما المجالات الأخرى، فمن المؤكد أن لها خصوصيات وضوابط تحكمها، فالسينغال مثلا التي وقع بيننا وبينها ما وقع في تلك الليلة الاستثنائية، تربطنا معها علاقات وطيدة وتاريخية على جميع المستويات، لكن للأسف ما صدر عن منتخبها وجمهورها كاد أن يعصف بكل هذا الزخم من العلاقات، ووضعها على المحك، وكنا نخشى أن تهدم الكرة في دقيقة كل ما تم بناؤه خلال عقود طويلة.

كان الرأي العام الوطني والعالمي يعتقد أن الأمور ستقف عند هذا الحد، بعد إعلان المنتخب السنغالي بطلا ، لكن الخبراء والراسخين في الميدان الرياضي، سواء المغاربة أو الموجودون في الكاف ، كانوا يهيئون للإخوة السينغاليين مفاجأة غير سارة، بتجريديهم من الكأس وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وهنا ثارت ثائرة الإخوة والأعداء على حد سواء، وأبدت السينغال تنطعا وتمردا صريحين على قوانين الكاف ، وارتأت استئناف القرار والذهاب به إلى محكمة التحكيم الرياضي لتقول كلمتها فيه، لكن ما يثير الانتباه في كل هذا ليس الذهاب إلى الطاس أو غيرها، فالأمر عادي وطبيعي في مثل هذه القضايا، بل تلك الردود الفجَّة وغير المسؤولة التي صاحبت إعلان الكاف منح الكأس للمغرب، سواء التي صدرت من المسؤولين على الرياضة في السنغال، أو من اللاعبين، الذين ينشطون كلهم أو جلهم في دوريات متقدمة، وتنتمي لبلدان متحضرة، لكن للأسف الشديد يبدو أن هؤلاء اللاعبين لم يتأثروا بثقافة تلك البلدان ولم يأخذوا منها أي شيء يمت للحضارة والرقي، ومما زاد الطين بلة وأعطى صورة واضحة عن التخلف الإفريقي الذي نتحدث عنه، هو كيفية الاحتفال بالكأس، وكيف اصطحبوها معهم إلى مجرد مقابلة ودية بفرنسا، وكيف قدموها للجماهير، في تحدٍّ سافر لقوانين الفيفا ، الشيء الذي يفرض حقيقة التعامل بصرامة من طرف الهيئات الرياضية، الإفريقية والدولية، مع هذه الممارسات النشاز، حتى لا نصبح أضحوكة أمام العالم.

هذا فيض من غيض، ولو أردنا تعداد كل أشكال التخلف الحضاري الذي تشكو منه القارة، لما أسعفنا هذا المقال، فالوصول إلى أعلى مراتب التحضر يتطلب مجهودات كبيرة، ويجب الاشتغال على ذلك من طرف المجتمعات والحكومات الإفريقية، لأن ما حدث في نهائي الكان وما تلا ذلك من ردود أفعال بعد إعلان قرار الكاف بإعلان المغرب هو الفائز، أعطى صورة قاتمة عن إفريقيا بصفة عامة، وأن اللحاق بالقارات المتحضرة ليس بالأمر الهين.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعة
أشطاري 24 منذ 5 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 5 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 6 ساعات
أحداث الداخلة منذ ساعتين
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ 4 ساعات