متابعات | كيف يهدد إغلاق مضيق هرمز الاقتصاد الوطني

تثير أزمة مضيق هرمز في الخليج العربي قلق المحللين والمستوردين، لما لها من تداعيات كثيرة على القطاع الاقتصادي وعلى العديد من المجالات الحيوية المرتبطة بالاقتصاد الوطني رغم المسافة البعيدة للمغرب عن منطقة الخليج والحرب الدائرة هناك بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بحيث يجد المغرب نفسه في قلب هذه الشبكة المعقدة التي تحمل أبعادا سياسية وعسكرية واقتصادية على الصعيدين العربي والإقليمي.

إعداد: خالد الغازي

بالرغم من أن تأثير أزمة الخليج ضئيل خلال المرحلة الراهنة، بسبب ارتباط الاقتصاد الوطني كثيرا بالقرب الجغرافي الأوروبي على مستوى التصدير واستيراد المواد الأولية والحاجيات من الطاقة، إلا أن استمرار أزمة مضيق هرمز، أو مضيق خالد بن الوليد عند العرب، سيكون لها تأثير كبير على دول الاتحاد الأوروبي، خاصة وأنها أكبر مستورد لقطاع الطاقة من بلدان الخليج العربي مثل قطر والسعودية، الشيء الذي يجعل المغرب بدوره يعتمد على الواردات من المواد الطاقية من دول الخليج، والتي تستخدم في المجال الصناعي والإنتاج الزراعي وحتى في قطاع الفوسفاط.

فقد أدى تعطل تصدير وتدفق النفط والغاز عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي، بسبب الحرب الأمريكية مع إيران، إلى ارتفاع أسعار الطاقة وامتدت تداعياتها إلى مختلف الأسواق العالمية، بما في ذلك تكاليف النقل والتصنيع وفواتير الاستهلاك اليومي، لتشمل سلاسل الإمداد العالمية بأكملها، وذلك بفعل تراجع عدد السفن العابرة لمضيق هرمز بشكل حاد، ما انعكس على تدفق السلع الأساسية والمواد الصناعية مهددا بارتفاع أسعار طيف واسع من المنتجات، من المواد الغذائية إلى الأجهزة الإلكترونية والأدوية..

في هذا السياق، أكد المحلل الاقتصادي رشيد ساري، أن مضيق هرمز ومضيق باب المندب (اليمن) يحتلان نسبة كبيرة على مستوى العالم في التجارة العالمية، خاصة النفط، عبر التوريدات ومجموعة من المواد الأساسية بنسبة 38 في المائة، بحيث أن مضيق هرمز يمر منه عشرون مليون برميل يوميا ويشكل نسبة 10 في المائة من النسبة العامة للنفط، معتبرا أن التبعات كبيرة على المغرب لأنه دولة غير طاقية، تستورد أكثر من 90 في المائة من حاجياتها، وبالتالي، سيكون لهذا تأثير كبير على مستوى رفع الأسعار، لأن الحكومة حددت في قانون مالية 2026 كفرضية سعر البترول في 65 دولارا، لكن سعره اليوم تجاوز بكثير 100 دولار للبرميل، وهناك زيادات مرتقبة قاتمة، مضيفا أنه في حالة استمرار الحرب لأشهر أخرى، ربما قد نصل إلى 200 دولار للبرميل، مما ستكون له انعكاسات كبيرة على أسعار الغازوال والبنزين، والتي سوف ترتفع بشكل غير متوقع، مما سيؤثر على الميزانية والفاتورة الطاقية، وسيخلق عجزا في الميزانية وموجة من التضخم المستورد، وسوف تتأثر الدولة بشكل كبير وحتى المواطن، لأن القدرة الشرائية ستصبح منخفضة على اعتبار أن الأسعار سوف ترتفع.

وأوضح نفس المتحدث، أن إغلاق مضيق هرمز سوف يجعلنا في ورطة من خلال استيراد القمح والمواد الأولية والأساسية، التي سوف ترتفع بشكل كبير، وبالتالي ربما ستكون نسب التضخم أكثر مما كانت عليه سنة 2022، حيث حسب توقعات الدول المستوردة للمواد النفطية، خاصة الدول الناشئة، فمعدلات التضخم لديها قد تصل الى مستويات قياسية بين 6 في المائة إلى 8 في المائة، وهذا سينعكس حتى على المقاولات وليس على الدولة والمواطن، لأنها تعتمد في إنتاجيتها بشكل كبير على الغازوال، مما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار ومجموعة من المواد الإنتاجية وسنكون أمام مجموعة من المطبات، ومن جهة أخرى ربما خلال الفترة الثانية إلى غاية شهر يونيو المقبل قد يتم رفع سعر الفائدة لأننا نعيش في حالة اللايقين، مما سيؤثر على الاستثمارات وعلى القطاع السياحي بالمغرب.

واعتبر ساري أن المغرب سيكون أمام إشكالات حقيقية على المستوى الاقتصادي في القطاع الطاقي والصناعي والإنتاج، رغم أن المغرب قد يستفيد بشكل كبير من تصدير الأسمدة بفعل الطلبات التي يتلقاها من الولايات المتحدة وبلدان أخرى، إلا أن إنتاج الأسمدة الفوسفاطية يحتاج إلى مادة الأمونياك المستورد من دول الخليج، بحيث رغم المجهودات المبذولة لإنتاج الأمونياك الأخضر المستخرج من الطاقة النظيفة، إلا أن المغرب يظل في حاجة إلى الأمونياك الذي يستورد من الخليج لإنتاج الأسمدة، مشيرا إلى أن هناك سلسلة من السيناريوهات الغير متفائلة في حالة استمرار الحرب.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي بدر الأزرق، أن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط لا يظل محصورا في نطاقه الجغرافي، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي برمته، والمغرب ليس بمنأى عن هذه التداعيات بحكم انخراطه في سلاسل التجارة الدولية واعتماده النسبي على واردات الطاقة، أولا التأثير الأكثر مباشرة يرتبط بارتفاع أسعار الطاقة، فالمغرب باعتباره مستوردا صافيا للنفط والغاز، سيتأثر بأي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع في الأسعار العالمية، خاصة إذا تأثرت مناطق حيوية مثل الخليج العربي أو ممرات استراتيجية كـمضيق هرمز، وهذا الارتفاع سينعكس بشكل مباشر على كلفة الإنتاج والنقل، مما قد يضغط على القدرة الشرائية للمغاربة ويرفع من معدلات التضخم. ثانيا، من المتوقع أن تتأثر كلفة الواردات بشكل عام، ليس فقط بسبب الطاقة، بل أيضا نتيجة ارتفاع أسعار الشحن والتأمين البحري، خاصة إذا توسعت رقعة التوتر لتشمل ممرات بحرية استراتيجية مثل البحر الأحمر، وهذا قد ينعكس على الميزان التجاري ويزيد من عجزه في ظل تباطؤ محتمل للصادرات نحو بعض الأسواق المتأثرة.

وبالنسبة لتأثير الأزمة على مجال الاستثمار في المغرب، قال المتحدث ذاته أنه عادة ما تؤدي الحروب إلى ارتفاع منسوب عدم اليقين، وهو ما قد يدفع المستثمرين الدوليين إلى تأجيل قراراتهم أو توجيه استثماراتهم نحو ملاذات أكثر أمانا، غير أن المغرب قد يستفيد نسبيا من هذا الوضع إذا نجح في تعزيز صورته كوجهة مستقرة في منطقة مضطربة، خاصة في قطاعات مثل الصناعة، الطاقات المتجددة، والخدمات، كما لا يمكن إغفال تأثير هذه الحرب على تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، خاصة في حال تأثر اقتصادات الدول الأوروبية الشريكة نتيجة تداعيات الحرب، مما قد ينعكس على الطلب الخارجي وعلى تدفقات العملة الصعبة، كما أن هناك أيضا البعد المالي والنقدي، إذ قد تؤدي الضغوط التضخمية العالمية إلى تشديد السياسات النقدية، وهو ما قد يرفع كلفة التمويل داخليا ويؤثر على الاستثمار والاستهلاك.

وأشار نفس المتحدث إلى أن التأثير على المغرب سيكون مركبا: ضغوط تضخمية ومالية من جهة، وفرص لإعادة التموضع الاستراتيجي من جهة أخرى، وهو ما يفرض يقظة في السياسات العمومية وقدرة على التكيف السريع مع التحولات الجيو-اقتصادية المتسارعة، معتبرا أن هذه التحديات قد تحمل في طياتها بعض الفرص، إذ يمكن للمغرب أن يعزز موقعه كممر لوجستي بديل، وأن يسرّع من استراتيجيته في مجال الأمن الطاقي، خصوصا عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة ومشاريع الربط الطاقي مع أوروبا وإفريقيا، بحيث يجد المغرب نفسه في قلب شبكة من التأثيرات المتشعبة الناتجة عن هذه الحرب رغم بعده الجغرافي، لكن التداعيات الاقتصادية والمالية والاجتماعية تجعله ضمن البلدان المتضررة كثيرا بسبب الحرب، خاصة بعد تعطل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز الذي يعتبر معبرا رئيسيا لعبور سفن البترول نحو الأسواق العالمية، إلى جانب العديد من المواد الأولية التي تستعمل في القطاع الصناعي والإنتاجي والمستخرجة من المواد البترولية، مثل غاز الهيليوم، الذي يعد عنصرا أساسيا في تصنيع الرقائق الإلكترونية المستخدمة في الهواتف الذكية والمركبات وفي القطاع الصحي، ونقصه قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التكنولوجيا والخدمات الطبية، بالإضافة إلى تأثر الصناعات الدوائية نتيجة نقص المشتقات البتروكيماوية مثل الميثانول والإيثيلين، مما يهدد بزيادة تكاليف إنتاج الأدوية، خاصة في ظل الاعتماد على صادرات دول الخليج، مما يؤكد تأثر القطاع الصحي أيضا.

وحسب التقديرات الأولية، فإن ثلث تجارة الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل الأزمة في هذا المضيق قد تؤثر بشكل كبير على الإنتاج الزراعي العالمي، مما يزيد من المخاوف بخصوص تراجع المحاصيل الزراعية خلال النصف الشمالي من العالم، خاصة على الصعيد الأوروبي، الشيء الذي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية والغذاء، وقد يزيد من ارتفاع المعدلات التضخمية عند الدول المستوردة، وهذه التداعيات ستؤثر بشكل مباشر على المغرب بحكم ارتباط الاقتصاد الوطني بشكل كبير بالأسواق الدولية، سواء عبر استيراد الطاقة أو المواد الأولية، مما قد ينعكس على الاقتصادي المحلي والقدرة الشرائية للمواطنين، وعلى وضعية المقاولات والاستثمار والقطاعين الصناعي والسياحي.

ويعتبر المغرب من الدول الرائدة في إنتاج الأسمدة المستعملة في القطاع الزراعي، كما أنه مزود مهم للعالم بهذه المادة الأساسية، لكن النقص قد يسجل في المواد الأولية التي تستعمل في إنتاج الأسمدة، والأمونياك المستخرج من الغاز الطبيعي، والتي تستعمل في عملية تصنيع 20 مليون طن من الأسمدة سنويا وتصدر إلى العالم، كما أن الأزمة الحالية قد تؤدي إلى ارتفاع تكلفة المواد الأولية، وبالتالي يمكن أن ترتفع أسعار الطاقة والشحن البحري، مما سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي الوطني، خاصة في قطاع الأسمدة والمواد الزراعية، فالفوسفاط المغربي له مكانة خاصة على المستوى الدولي والإقبال عليه سيكون كبيرا، لكن يبقى السؤال المطروح، حول التحديات المقبلة في ظل الاضطرابات الحاصلة على مستوى مضيق هرمز، الشيء الذي قد ينعكس على مكانة الفوسفاط المغربي الذي يعتبر أهم الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني.

ويظل قطاع الطاقة والمحروقات أكثر قطاع قد يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الوطني، لكونه يعتمد فقط على استيراد المواد البترولية من الخارج، والتي تحتاجها الأسواق الوطنية لتحريك وتيرة الاقتصاد وتنشيط القطاع الصناعي ونقل وتجارة السلع والمواد الغذائية، إلا أن نقص المخزون الاستراتيجي ورهن الاقتصاد بشركات المحروقات، قد يجعل الدولة تدفع الثمن غاليا في حالة انفجار الأوضاع في الخليج، وتوقف تصدير النفط وعبور السفن، مما قد يتسبب في شلل اقتصادي وطني نتيجة نقص المواد البترولية التي تستعمل في الصناعة والزراعة والنقل، كما أن الأثار الجانبية قد تصل إلى الاستقرار الاجتماعي بسبب نقص المواد الغذائية والكهرباء والطاقة.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 22 دقيقة
هسبريس منذ 23 ساعة
2M.ma منذ 5 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 4 ساعات
أحداث الداخلة منذ 3 ساعات