في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، تبرز إشكالية جوهرية تعيق تحقيق التنمية المنشودة وتؤثر بشكل مباشر على جودة تدبير الشأن العام، وهي أزمة الثقة بين المواطن والمسؤول، التي تتغذى أساسًا من ضعف قنوات التواصل وغياب الحوار الفعّال.
لقد أصبح من الواضح أن جزءًا كبيرًا من المسؤولين، بمن فيهم صناع القرار، لا يواكبون انتظارات المواطنين ولا يتفاعلون بالقدر الكافي مع قضاياهم اليومية. هذا الانفصال لا يقتصر فقط على غياب اللقاءات المباشرة، بل يمتد إلى ضعف الحضور في الفضاءات الرقمية، وقلة الشفافية في تقديم المعلومة، والتأخر في الرد على انشغالات الرأي العام.
وتتجلى أزمة التواصل في عدة مظاهر، أبرزها اعتماد خطاب رسمي تقليدي لا يعكس حقيقة التحديات، إضافة إلى غياب آليات مؤسساتية فعالة للاستماع إلى المواطن. وفي المقابل، يعيش المواطن حالة من الإحباط، حيث يشعر بأن صوته غير مسموع، وأن مشاركته في الحياة العامة لا تجد صدى لدى من بيدهم القرار.
هذا الوضع ينعكس سلبًا على الثقة في المؤسسات، ويضعف منسوب المشاركة السياسية والمدنية، كما يفتح المجال أمام انتشار الإشاعة وتأويل الأحداث بشكل مغلوط، خاصة في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت المصدر الأول للمعلومة لدى فئات واسعة من المجتمع.
إن أزمة الثقة ليست معطى ظرفيًا، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من سوء التواصل وغياب المقاربة التشاركية. فحين يغيب الحوار، تحل القطيعة، وحين تنعدم الشفافية، يتسع هامش الشك.
ولعل تجاوز هذه الأزمة يمر أساسًا عبر إعادة بناء جسور التواصل بين المسؤول والمواطن، من خلال اعتماد سياسات تواصلية حديثة تقوم على القرب، والإنصات، والوضوح في نقل المعلومة. كما يتطلب الأمر تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية، وتمكين المواطن من لعب دور فعلي في صنع القرار، بدل الاكتفاء بدور المتلقي.
إن الرهان اليوم ليس فقط في اتخاذ قرارات صائبة، بل في القدرة على شرحها وتبريرها وإشراك المواطن في فهمها وتقييمها. فالتواصل لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ركيزة أساسية في تدبير الشأن العام، وشرطًا لا غنى عنه لاستعادة الثقة وبناء علاقة صحية بين الدولة والمجتمع.
في النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل يدرك المسؤولون أن كسب ثقة المواطن يبدأ أولًا بالإنصات إليه؟ أم أن فجوة التواصل ستظل تتسع، حاملة معها مزيدًا من التوتر واللامبالاة؟
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء المغربية
