تعد الأبحاث الأكاديمية الصادرة عن الجامعات العالمية الكبرى مرجعا حاسما في توثيق الأصول الجغرافية والتقنية للفنون المعمارية.
وفي هذا الإطار، تبرز أطروحة الدكتوراه التي نوقشت في "جامعة كورنيل" (Cornell University) بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2013، للباحثة "جيسيكا ريني سترايت" (Jessica Renee Streit)، تحت عنوان:
"Monumental austerity: The meanings and aesthetic development of Almohad Friday mosques"
(الصرامة المعمارية: المعاني والتطور الجمالي لمساجد الجمعة الموحدية).
تؤكد هذه الدراسة الأكاديمية الرصينة أن النمط المعماري الموحدي ابتكار أصيل وُلد ونضج في المغرب الأمازيغي قبل انتقاله إلى الأندلس، وتعتبر مسجدي "تينمل" بالأطلس الكبير و"الكتبية" بمراكش، القاعدة التأسيسية التي انطلق منها هذا الفن.
ولتعضيد هذه الحقائق العلمية، استندت الباحثة إلى التسلسل الكرونولوجي لبناء هذه المنشآت لإثبات أن النمط العمراني انتقل من الجنوب نحو الشمال، أي من المغرب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
وتوضح الباحثة في مقدمة أطروحتها أن العمارة الموحدية تمثل :
"استجابة ديناميكية ومعقدة لكل من الصعوبات المرتبطة بالحفاظ على الإمبراطورية، والميول الروحية لرعاتها".
وتُشدد على أن كل مبنى لاحق خضع لمراجعات وتعديلات صُممت لتناسب بيئته الدينية والسياسية، مما يؤكد التطور الذاتي والمدروس لهذه الهندسة.
وفي تقديمها لهيكل الأطروحة وتحديداً في الصفحة الرابعة، تحسم الباحثة مسألة المنشأ والتأسيس، مؤكدة أن الفصل الثاني من دراستها يبرهن على أن المسجدين اللذين بُنيا برعاية الخليفة الموحدي الأول (تينمل والكتبية) قد "وجها رسالة تعبر عن السلطة السياسية والدينية إلى خصومهم".
وقد شكل النظام الزخرفي التجريدي والمنظومة الهندسية لهذين المبنيين تجسيداً للعقيدة التي ارتكزت عليها الشرعية الموحدية في مهدها بالمغرب.
وتخصص الباحثة المبحث الممتد من الصفحة 59 إلى 64 لتحليل مسجد تينمل بصفته المنطلق الأول للرسالة المعمارية الموحدية.
وتصف بالتفصيل الدقيق كيف استخدم هذا المبنى شريط "النجوم والمضلعات المتشابكة" (interlacing stars and polygons) في واجهة المحراب، إلى جانب "التشابك الهندسي" والأقواس متعددة الفصوص والأنماط المعمارية المعقدة.
وتُشكل هذه العناصر الجوهر التقني الحرفي لفن الزليج، مما يجعل تينمل اللبنة التأسيسية التي اعتمدت عليها الأبنية اللاحقة.
ولتأكيد مسار تصدير هذا الفن من المغرب نحو الأندلس، تشير الباحثة في استعراضها لمضامين الفصل الثالث إلى انتقال مركز الثقل المعماري نحو المسجد الذي شيده الخليفة الموحدي الثاني في العاصمة الإيبيرية إشبيلية.
وتؤكد بالنص الواضح أن أبعاد المبنى وموقعه المتميز أسهمت في "بث السلطة الموحدية لجمهور أندلسي متردد". وهذا التعبير الأكاديمي الدقيق يثبت بشكل قاطع أن الأنماط المعمارية والزخرفية الموحدية استُخدمت كأداة سياسية بصرية فرضتها الإمبراطورية الموحدية انطلاقاً من مركزها في المغرب للتأثير على الجمهور الأندلسي وإخضاعه، تفنيدا علميا وتاريخيا لأي ادعاء يزعم أن الموحدين استلهموا فنونهم من الأندلسيين.
وامتد تصدير النمط المعماري المغربي الموحدي إلى الأندلس ليشمل القلاع والحصون جنبا إلى جنب مع المساجد.
وتُعد "قلعة رباح القديمة" (Calatrava la Vieja) شاهدة على هذا التحول الهندسي العميق.
فمباشرة بعد الانتصار الساحق في معركة الأرك عام 1195م، شرع المهندسون الموحدون في إعادة هندسة هذه القلعة بشكل جذري، ومُحيت معالمها القديمة بالكامل. وجاء هذا التغيير الشامل لتتلاءم القلعة مع متطلبات التحصين المتقدمة التي فرضتها طبيعة المعارك الموحدية في الأندلس.
ومع هذا الاهتمام البالغ بالمتانة العسكرية والوظيفية الدفاعية، حافظ المهندسون المغاربة على الجمالية المعمارية العالية، حيث وظفوا فن الزليج الأمازيغي وزخارفه الهندسية في تزيين الجدران الداخلية للقلعة، لتأكيد حضور الهوية البصرية الموحدية المبتكرة في تينمل حتى داخل المنشآت الحربية.
إن هذه الشهادات العلمية الموثقة في أطروحة "جامعة كورنيل" واللقى الأركيولوجية تؤكد أن المغرب كان هو المُصدر للتقنية والمنهج المعماري. فالتصورات الهندسية والزخرفية الموحدية نضجت في المنشآت المغربية الأولى وطُبقت في "تينمل" و"الكتبية"، قبل أن تعبر البحر لتصيغ الهوية البصرية للأندلس.
كرونولوجيا هامة تثبت تصدير الهندسة العمرانية والسيادة الموحدية من المغرب إلى الأندلس:
* سنة 1146-1147م: دخول الجيوش الموحدية إلى الأندلس عبر طريفة والجزيرة الخضراء، وسيطرتهم على مدينة إشبيلية في يناير 1147م بعد انهيار سلطة المرابطين. هذا التاريخ يمثل بداية الوجود الموحدي العسكري والسياسي في إيبيريا.
* سنة 1153م: تأسيس وبناء مسجد تينمل بالأطلس الكبير في عهد الخليفة الأول عبد المؤمن بن علي. وهو يمثل "المختبر الهندسي" الأول الذي وَضعت فيه القواعدُ الفنية والزخرفية الموحدية الأصلَ التاريخي لتوجيه رسالة السلطة السياسية والدينية.
* سنة 1172م: البدء في بناء المسجد الأعظم بإشبيلية (الأندلس) بأمر من الخليفة الثاني أبو يعقوب يوسف. يمثل هذا التاريخ بداية انتقال "النمط التينملي" من المغرب إلى الأندلس بفارق زمني قدره 19 عاماً عن تينمل، بغرض "بث السلطة الموحدية لجمهور أندلسي متردد".
* سنة 1184م: البدء في بناء صومعة لاخيرالدا (مئذنة المسجد الأعظم بإشبيلية)، والتي اعتمدت في تصميمها على الدروس المعمارية والزخرفية التي نضجت سابقاً في مساجد المغرب.
* سنة 1194م: اكتمال الشكل النهائي لـ صومعة الكتبية بمراكش في عهد الخليفة الثالث يعقوب المنصور.
* 19 يوليو 1195م (معركة الأرك الخالدة): الانتصار العسكري التاريخي للموحدين بقيادة يعقوب المنصور في منطقة الأرك (Alarcos) بوسط إيبيريا.
* مابعد 1195م (قلعة رباح): السيطرة على قلعة رباح والبدء الفوري في إعادة هندستها جذرياً لتلائم متطلبات المعارك العسكرية الموحدية، مع تزيين جدرانها الداخلية بالزليج والزخارف المعمارية المغربية الخالصة.
* سنة 1198م: اللمسات النهائية لصومعة لاخيرالدا بإشبيلية، مما يكرس وحدة المدرسة الهندسية المغربية التي بسطت نفوذها الجمالي في الأندلس تحت حماية الانتصارات العسكرية الكبرى.
تثبت هذه الكرونولوجيا أن المغرب الأمازيغي كان هو المبتكر والمصدر للنمط العمراني، بينما كانت إشبيلية والأندلس عموماً هي المحطة الإيبيرية التي استقبلت هذه "التكنولوجيا الثقافية" المغربية لترسيخ نفوذ الدولة الموحدية التي فُرضت بقوة السلاح في المعارك الكبرى، وبقوة الهندسة والزليج في معالم كتينمل والكتبية والخيرالدا وقلعة رباح.
وهذا ما كان
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى



