قالت نائبة المبعوثة الأممية للشؤون السياسية، ستيفاني خوري، إن الحوار المهيكل في ليبيا استؤنف مجددًا عقب شهر رمضان وفترة العيد، موضحة أنه يُدار عبر أربعة محاور رئيسية تشمل المسار الاقتصادي وحقوق الإنسان والأمن والحوكمة، ومؤكدة أن هذه المسارات بدأت تلتقي من جديد ضمن إطار موحد.
وأوضحت خوري، في تصريحات لتلفزيون «المسار» رصدتها «الساعة 24»، أن البعثة عقدت سلسلة من جلسات الحوار، من بينها لقاءات نُظمت خلال شهر رمضان، إلى جانب اجتماعات أُجريت عن بُعد، مشيرة إلى أن الهدف الأساسي من هذا المسار يتمثل في وضع أساس متين وخارطة طريق واضحة، فضلًا عن دعم جهود توحيد المؤسسات عبر توصيات تركز على الإصلاحات السياسية ضمن المسارات الأربعة.
وأضافت أن من بين الأهداف الرئيسية أيضًا تهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وطنية، باعتبارها الغاية الأساسية لهذا المسار، لافتة إلى أن التقدم المُحرز حتى الآن يُعد جيدًا، حيث تناولت النقاشات قضايا تمس حياة الليبيين بشكل مباشر، جرى اختيارها جزئيًا استنادًا إلى التغذية الراجعة من المشاركين في الاجتماعات والمشاورات السابقة التي نظمتها البعثة.
كما أشارت إلى أن العمل يتجه نحو عقد جلسات جماعية بنهاية الشهر الجاري، بهدف التوصل إلى حزمة من التوصيات قصيرة المدى، تركز على خلق بيئة مواتية لإجراء الانتخابات، موضحة أن هذه التوصيات تشمل إصلاحات اقتصادية وأمنية، إلى جانب ملفات المصالحة الوطنية، والاتفاق الوطني، وحقوق الإنسان، والحوكمة.
وفيما يتعلق بمسار الحوكمة، بيّنت خوري أنه تم خلال الفترة الأخيرة مناقشة قضايا مرتبطة بكيفية المضي قدمًا نحو الانتخابات، إضافة إلى بحث شكل المرحلة الانتقالية وآليات تعزيز المؤسسات خلالها. أما على الصعيد الأمني، فأكدت أن النقاشات تتركز حول المتطلبات الضرورية لإنجاح الانتخابات الوطنية، بما في ذلك الآليات الأمنية الواجب توفيرها لضمان سلامة هذا الاستحقاق.
وفي الشق الاقتصادي، أوضحت أن النقاشات تناولت ملفات حيوية، من بينها السعي نحو إعداد موازنة موحدة وتنظيم الإنفاق، فضلًا عن تعزيز الحوكمة في قطاع النفط والعمل على تطويره. وفي المقابل، لفتت إلى أن مسار المصالحة الوطنية ركّز على قضايا محورية، أبرزها ضمان وحدة النظام القضائي وتعزيز آليات حماية المواطنين، مؤكدة أن العمل عبر مختلف المسارات كان مكثفًا ومفيدًا، مع استمرار النقاشات حول القضايا المتداخلة التي تتطلب مقاربة شاملة.
وفي الإطار ذاته، شددت خوري على أن الجهود مستمرة للتوصل إلى مجموعة من التوصيات التي تُطرح ضمن نقاشات متواصلة، بما يسهم في دعم العملية السياسية وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق تقدم نحو الاستحقاقات الوطنية. ولفتت إلى أن الحوار المهيكل يكتسب جديته سواء كانت مخرجاته ملزمة أم لا، مشيرة إلى أن تنفيذ هذه التوصيات يبقى مسؤولية المؤسسات الليبية، ويتطلب من القادة تبني رؤى واضحة والالتزام بالإصلاحات الضرورية لتصحيح الأوضاع وتهيئة البيئة المناسبة لإجراء الانتخابات.
كما أوضحت أن هذا المسار يعكس صوت الليبيين وخبراتهم، باعتبارهم الأدرى بشؤون بلادهم، مضيفة أن دمج هذه الخبرات مع الواقع القائم يمكن أن يُفضي إلى توصيات قابلة للتطبيق في مختلف القطاعات، بما يدعم جهود توحيد المؤسسات وتهيئة المناخ للاستحقاقات الانتخابية.
وأضافت أن هذه التوصيات يمكن توظيفها لاحقًا في عدة مجالات، مع التأكيد على أهمية تعزيز الحوار من خلال الاستفادة من الخبرات المحلية، والاستماع إلى مدخلات المشاركين، إلى جانب الاسترشاد بآراء المؤسسات المالية التي ساهمت في تقديم بيانات تدعم صياغة توصيات عملية، معتبرة أن هذا المسار يحمل قيمة كبيرة في الدفع نحو التغيير.
وفيما يتعلق بمدى ضمان تنفيذ هذه التوصيات، حذرت خوري من أن بقاءها حبيسة النصوص دون تطبيق سيُفقد الجهود المبذولة جدواها، مؤكدة أن الحاجة إلى الإصلاح أصبحت ملحّة في ظل تدهور الأوضاع خلال الأشهر الماضية، سواء على المستوى الاقتصادي مع ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدينار، أو على الصعيدين الأمني والمؤسسي، حيث تتزايد التحديات التي قد تعيق عمل المؤسسات وتدفع نحو مزيد من الانقسام.
وشددت المسؤولة الأممية على ضرورة دعم ليبيا لتحقيق إصلاحات حقيقية تؤدي إلى توحيد المؤسسات، معتبرة أن هذا الهدف يمثل جوهر الحوار المهيكل، خاصة في ظل تنامي المؤشرات على تدهور الأوضاع في البلاد. وفي محور الحوكمة، أوضحت خوري، أن النقاشات ركزت على سبل المضي قدمًا نحو الانتخابات ضمن إطار خريطة الطريق، إلى جانب بحث الخطوات اللازمة لقيادة البلاد نحو هذا الاستحقاق، بما في ذلك القضايا المرتبطة بهيئة الوزراء وإمكانية تشكيل حكومة موحدة، فضلًا عن الضمانات الواجب توافرها لإنجاح العملية الانتخابية.
وأضافت أن الحوارات تناولت كذلك آليات تجاوز التحديات التي تعيق التقدم، مشيرة إلى أن النقاشات التي جرت خلال شهر رمضان ركزت على تحديد أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة، مع ترقب عرض مخرجاتها خلال الاجتماعات المرتقبة. كما لفتت إلى أهمية معالجة دوافع الصراع والقضايا العالقة منذ عام 2024، معتبرة أن فهم هذه العوامل يمثل خطوة أساسية لتقليل حدة النزاع، والتركيز على بناء المؤسسات وتعزيز استقرارها بما يلبي احتياجات الشعب الليبي.
وفيما يتعلق بالمرحلة التالية لانتهاء الحوار المهيكل، أكدت خوري أن الجهود تنصب على تحديد أفضل السبل للتوصل إلى توافق وإجماع، في ظل ما شهدته الأشهر الماضية من انقسامات، لا سيما على مستوى النظام القضائي، إلى جانب استمرار وجود حكومتين على أرض الواقع بين الشرق والغرب. كما أشارت إلى أن التحديات تشمل أيضًا طبيعة العلاقة بين المؤسسات التشريعية، وكيفية تمكينها من أداء دورها في مواجهة الأزمات، موضحة أن التطورات الأخيرة كشفت عن إشكاليات داخل النظام القضائي وتجزئته، وهو ما يمثل عاملًا محوريًا في مسار تحقيق الاستقرار.
وشددت على ضرورة التركيز خلال المرحلة المقبلة على الوصول إلى حكومة واحدة، بالتوازي مع معالجة القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان، بما يسهم في دعم مسار توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار العام في البلاد. وعلى صعيد المسار الاقتصادي، قالت إن هذا المسار يُعد من أكثر المسارات تقدمًا ضمن الحوار القائم، لافتة إلى أن اجتماعات الفترة الأخيرة ركزت على قضايا تتعلق باستقرار الاقتصاد الكلي، بما يدعم الانتقال نحو نمو مستدام بدلًا من الوقوع في أزمات متكررة.
وأضافت أن النقاشات شهدت تحولًا من التركيز على الجوانب المالية إلى بحث الجوانب الرقابية، مع العمل على تعزيز قدرات مؤسسات الرقابة ورفع مستوى المساءلة المرتبطة بالقرارات الاقتصادية، إلى جانب التوجه لعقد جلسات مقبلة تناقش سبل تقوية هذه المؤسسات وآليات عملها. وأردفت: أن مجمل العمل المنجز في هذا المسار، وما سينبثق عنه من توصيات ضمن الحوار المهيكل، من شأنه دعم جهود بناء الدولة، في حال تم تبني هذه التوصيات وتنفيذها فعليًا على أرض الواقع.
وفيما يتعلق بالقضايا الحساسة، مثل الإنفاق العام، وتوزيع الإيرادات، وإصلاح منظومة الدعم، أوضحت خوري أن هذه الملفات لا تزال قيد النقاش، ولم تُطرح بشكل شامل في جميع الجلسات، لكنها أكدت أن المرحلة الحالية تتجه نحو صياغة توصيات تغطي مختلف هذه القضايا.
كما أعربت عن تفاؤلها بمستوى الجدية والالتزام الذي أبداه المشاركون في الحوار، مشيرة إلى أن التفاعل داخل الجلسات يعكس رغبة حقيقية في بناء دولة قوية ذات مؤسسات فاعلة، وسياسات قادرة على تلبية احتياجات المواطنين، وتوفير خدمات عامة وإصلاحات شاملة تعزز الاستقرار. ولفتت إلى أن النقاشات لا تقتصر على قطاع النفط فحسب، بل تمتد إلى تنويع الاقتصاد وبناء أسس الاستقرار الاقتصادي، بمشاركة خبراء ليبيين، معتبرة أن هذا المسار يمثل خطوة إيجابية تتطلب تعاطيًا جادًا من مختلف الأطراف.
وفيما يخص العلاقة بين الدورين الأمريكي والأممي، أوضحت خوري أن الأمم المتحدة تركز على جمع الأطراف ذات الشرعية والقوى الفاعلة إلى طاولة الحوار، في حين تمتلك الولايات المتحدة أدواتها الخاصة للتأثير في هذا المسار، مؤكدة أن التنسيق بين الجانبين يهدف إلى دعم تنفيذ خارطة الطريق الأممية. ورأت أن هذا التنسيق الدولي يسعى إلى تحقيق نتائج تكاملية تدعم مسار الإصلاحات، وتعزز بناء مؤسسات قوية وشرعية ديمقراطية، تمهيدًا للوصول إلى الانتخابات والاستحقاقات الوطنية.
فيما يتعلق باللقاءات التي تُعقد خارج ليبيا مع شخصيات ليبية، أوضحت خوري، أن الهدف منها يتمثل في دعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة وتوحيد الجهود، بما يسهم في تجنب إرباك العملية السياسية، مع التركيز على الدفع نحو حلول منسجمة مع خارطة الطريق الأممية.
وفي هذا السياق، شددت خوري على أن ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن اجتماعات تُعقد في جنيف أو لقاءات مع مسؤولين وشخصيات حكومية ليبية، لا يمت بصلة إلى عمل الأمم المتحدة. وأكدت، في تصريحات لتلفزيون المسار ، أن البعثة تتلقى بشكل متكرر استفسارات حول مدى ارتباط هذه اللقاءات بها، ما دفعها إلى توضيح أن تلك الأنشطة لا تندرج ضمن مهامها، مع التزامها بمواصلة توضيح ما يرتبط بمبادراتها وما هو خارج نطاقها، بهدف إزالة أي لبس.
وأضافت أن من حق الليبيين إطلاق مبادراتهم الخاصة والتفاعل مع مختلف القضايا، غير أن الربط بينها وبين عمل الأمم المتحدة قد يؤدي إلى خلط في الفهم، وهو ما تحرص البعثة على تفاديه من خلال توضيح الفروقات بشكل مستمر.
وفيما يخص الإحاطة المرتقبة أمام مجلس الأمن، كشفت خوري أنها ستُعقد في 22 من الشهر الجاري، موضحة أن مضمون ما سيقدمه الممثل الخاص سيتحدد خلال الجلسة، دون الخوض في تفاصيل مسبقة، ومؤكدة في الوقت ذاته أن البعثة تتابع التطورات على الأرض بشكل دقيق ومستمر.
وتابعت: الإحاطة السابقة ركزت بصورة أساسية على الوضع الاقتصادي وملف القضاء، إلى جانب استعراض أبرز التطورات التي شهدتها الأشهر الماضية، لافتة إلى أن هذه المتابعة تهدف إلى تقييم مدى التقدم المحرز في إطار خارطة الطريق الأممية.
وفي ردها على تساؤل بشأن الرسالة الموجهة إلى الشعب الليبي، أكدت خوري أن الهدف الجوهري لبعثة الأمم المتحدة، وفقاً لتفويض مجلس الأمن، هو دعم مسار توحيد المؤسسات وقيادة البلاد نحو انتخابات وطنية، مشددة على التزام البعثة بهذا الهدف والعمل على تحقيقه.
كما بينت أن الإصلاحات وتوحيد المؤسسات ينبغي أن تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، مشيرة إلى أن ليبيا تمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لبناء اقتصاد أكثر كفاءة وتطوير مؤسساتها، بما ينعكس إيجاباً على مستوى الخدمات العامة. وشددت على ضرورة توحيد القطاعين الأمني والعسكري، معتبرة أن استمرار الانقسام في هذا المجال يمثل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق الاستقرار، داعية إلى اتخاذ خطوات عملية نحو دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية المختلفة.
وأكدت خوري أن الأمم المتحدة ستواصل دعم هذه الجهود والعمل على تنفيذ خارطة الطريق وفقاً لما حدده الممثل الخاص، مع التأكيد على أهمية استمرار انخراط الشعب الليبي في العملية السياسية ودعمه للإصلاحات.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن هذه الجهود تقودها الأطراف الليبية بالدرجة الأولى، وأن نجاحها مرهون بوجود تعاون داخلي حقيقي مدعوم بإسناد دولي، محذرة من استمرار دوامة الأزمات المتكررة التي تؤثر على الأمن والاستقرار، ومشددة على ضرورة كسر هذا النمط عبر مبادرات يقودها الليبيون نحو تحقيق الاستقرار.
هذا المحتوى مقدم من الساعة 24 - ليبيا
