أكد محمد مالكي، السفير المغربي بدولة الهند والسفير غير المقيم لدى كل من جمهورية المالديف، ومملكة بوتان، وجمهورية سريلانكا الديمقراطية الاشتراكية، ونيبال، أن المغرب، بفضل رؤية قيادته، اختار نهج الانفتاح الذكي على القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الهند، بما ينسجم مع سعيه إلى تعزيز موقعه كفاعل إقليمي وازن وشريك موثوق على الساحة الدولية.
وأشار الدبلوماسي المغربي ذاته، ومؤلف كتاب “ماذا لو… لم لا؟”، في الحوار التالي مع جريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن العلاقات المغربية-الهندية عرفت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية، انتقلت بها من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل مجالات الاقتصاد، والتكنولوجيا، والدفاع، والطاقة، مبرزا أن هذه الدينامية كانت نتيجة إرادة سياسية قوية وتراكمات إيجابية عززتها زيارات رفيعة المستوى واتفاقيات نوعية أسست لمرحلة جديدة أكثر عمقاً وتكاملاً بين البلدين.
ووصف مالكي موقف نيودلهي من قضية الوحدة الترابية للمملكة بـ”الإيجابي”، مبرزا أن آفاق التعاون بين الرباط ونيودلهي تظل واعدة، بالنظر إلى ما يتوفر عليه البلدان من مؤهلات متكاملة، إذ تمثل الهند قوة تكنولوجية وصناعية صاعدة، فيما يوفر المغرب بيئة استثمارية جاذبة وموقعاً إستراتيجياً يربط بين إفريقيا وأوروبا.
نص الحوار:
في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم اليوم، كيف يرى المغرب دور الهند كشريك إستراتيجي، وما هي المجالات التي تعتبرها الرباط حيوية لتعزيز هذه الشراكة؟.
في سياق التحولات التي عرفها العالم منذ بداية الألفية الثالثة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، انتهج المغرب سياسة تنويع شراكاته الدولية بما يخدم مصالحه الإستراتيجية. لذا برزت الهند كشريك مهم، بالنظر إلى العلاقات الجيدة التي تجمع البلدين وإلى الإمكانات الكبيرة التي يتوفران عليها؛ فالمغرب يلعب دوراً أساسياً في تزويد الهند بالأسمدة ومكوناتها، ما يساهم في دعم الأمن الغذائي الهندي، كما يشكل، بفضل موقعه الجغرافي وحضوره الاقتصادي المتنامي في إفريقيا، شريكاً مهماً لها في انفتاحها على أسواق القارة، خاصة غرب ووسط إفريقيا.
وترتكز العلاقات المغربية-الهندية اليوم على عدة محاور رئيسية، من بينها التعاون الاقتصادي والتعاون السياسي والتعاون الثقافي، إضافة إلى التنسيق داخل المؤسسات متعددة الأطراف. كما كثف البلدان تواصلهما الدبلوماسي من خلال تبادل الزيارات الرسمية وتوقيع العديد من الاتفاقيات في مجالات متنوعة. ولم تعد هذه الاتفاقيات تقتصر على المجالات التجارية التقليدية، بل شملت أيضاً التعليم والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات والتعاون التقني، ما ساهم في تحويل العلاقة تدريجياً إلى شراكة أكثر عمقاً ودينامية.
توليتم منصب سفير صاحب الجلالة في الهند لقرابة عقد من الزمن، كيف يمكن أن تصفوا لنا تطورات مضامين الشراكة والتعاون بين البلدين منذ الزيارة الملكية إلى الهند عام 2015؟.
أعتبر نفسي محظوظاً جداً، إذ حظيت بشرف استقبال صاحب الجلالة الملك حفظه الله، وتعييني سفيراً لجلالته لدى جمهورية الهند في أكتوبر 2016، إلى جانب اعتمادي كسفير غير مقيم لدى أربع دول أخرى هي: جمهورية المالديف، ومملكة بوتان، وجمهورية سريلانكا الديمقراطية الاشتراكية، ونيبال. وقد جاء هذا التعيين في ظرفية خاصة، إذ لم تكن مرت على الزيارة التاريخية التي قام بها جلالة الملك إلى الهند أكثر من سنة، وذلك للمشاركة في أشغال القمة الثالثة لمنتدى الهند–إفريقيا في أكتوبر 2015. وتكمن أهمية هذه المحطة في أن قائدي البلدين، جلالة الملك ورئيس الوزراء الهندي، التقيا على هامش هذه القمة، وقررا الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة إستراتيجية، بعد أن راكمت هذه العلاقات زخماً مهماً على مختلف الأصعدة.
وإثر هذا القرار كان لزاماً على حكومتي البلدين، إلى جانب التمثيليتين الدبلوماسيتين في كل من الرباط ونيودلهي، العمل على وضع اللبنات الأساسية لهذه الشراكة الإستراتيجية، بما يليق بطموحات البلدين، وخاصة في مجالات التعاون ذات الطابع الإستراتيجي، مثل محاربة الإرهاب، والتعاون العسكري، والتعاون في قطاع الفضاء، إضافة إلى مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار.
ومنذ ذلك الحين عمل البلدان في إطار هذه الشراكة، إلى أن بلغت العلاقات الثنائية هذا المستوى الإستراتيجي والمتقدم من الزخم والتنوع. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الهند أصبحت في صلب التوجه الذي أرساه صاحب الجلالة حفظه الله خلال العقد الثاني من حكمه، في ما يتعلق بالسياسة الخارجية للمملكة، والقائم على تنويع الشركاء والانفتاح على الدول الصاعدة ذات الوزن الجهوي والدولي، مع تطوير العلاقات والمكتسبات المحققة في علاقاته التقليدية. وقد منح هذا التوجه للعلاقات المغربية الهندية بعداً إستراتيجياً واضحاً، يسعى قائدا البلدين إلى تعزيزه بما يخدم مصالح البلدين الصديقين ويتماشى مع طموحاتهما المشتركة.
ويمكن القول، بكل ثقة، إن العلاقات بين البلدين بلغت مستوى متميزا، وتشهد على ذلك عدد الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، فضلاً عن تطور المبادلات التجارية، التي انتقلت من معدل سنوي يقارب ملياراً ونصف المليار دولار إلى ما يفوق أربعة مليارات دولار.
أما في ما يخص حضور الشركات الهندية في المغرب فقد ارتفع عددها من 13 شركة قبل الزيارة الملكية إلى ما يزيد عن 45 شركة تشتغل بصفة مباشرة في المغرب، إضافة إلى حوالي 200 شركة بصفة غير مباشرة، وهو ما يساهم في خلق فرص الشغل وتعزيز الاستثمار بالمملكة.
ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، اعتبار هذه النتائج ثمرة عمل شخص واحد أو مجموعة محدودة من الأشخاص، بل هي نتاج إرادة سياسية على أعلى مستوى، وعمل متواصل لحكومتي البلدين، إلى جانب توفر إطار قانوني ملائم ومناخ استثماري متطور بالمغرب، الذي أصبح يحظى باهتمام متزايد من قبل المستثمرين الهنود. ومن هذا المنطلق أعتبر أن دور السفارة يندرج ضمن منظومة متكاملة من المؤسسات التي تعمل، كل من موقعها، على تنفيذ السياسة الحكيمة لصاحب الجلالة نصره الله، وتعزيز حضور وإشعاع المملكة في الخارج وتقوية علاقاتها الإستراتيجية على الصعيد الدولي.
… يعني أن العلاقات تطورت كثيرا مقارنة بما كانت عليه في العقود الماضية؟
تعود العلاقات المغربية-الهندية إلى قرون مضت، لكن علاقاتهما الدبلوماسية انطلقت سنة 1957، أي بعد فترة قصيرة من حصول المغرب على استقلاله. وعلى مدى عقود طويلة ظلت هذه العلاقات ودية ومستقرة، لكنها بقيت محدودة نسبياً من حيث العمق والتنوع؛ فقد حافظ البلدان على علاقات دبلوماسية جيدة وتعاونا أساساً داخل الأطر متعددة الأطراف، مثل حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة، وكانت العلاقة بينهما تقوم في الغالب على حسن النية السياسية أكثر من كونها شراكة متطورة أو إستراتيجية.
إلا أنه إثر اعتراف نيودلهي بالكيان الوهمي في أكتوبر 1985 بإيعاز من بعض الدول المعادية للوحدة الترابية للمغرب خفضت المملكة مستوى التمثيل في دلهي وأصبحت العلاقات الثنائية شبه متوقفة. وبعد أول زيارة إلى المغرب قام بها رئيس الوزراء الهندي الأسبق أتال بيهاري فاجبايي في فبراير 1999، حيث أجرى مباحثات مطوّلة في الرباط مع المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، تناولت عدة مواضيع ذات اهتمام مشترك، وتركّزت على مستقبل وآفاق التعاون بين البلدين، رفع المغرب مستوى التمثيل إلى مستوى السفراء؛ وأعقبت هذه الزيارةَ زيارةُ نظيره المغربي إلى الهند في فبراير 2000، الوزير الأول الراحل السيد عبد الرحمن اليوسفي. وترتب على هذا التبادل للزيارات رفيعة المستوى سحب الهند اعترافها بالجمهورية الوهمية في 26 يونيو 2000، وإعلانها دعم جهود الأمم المتحدة بشأن قضية الصحراء المغربية.
وفي سياق هذه الدينامية عرفت هذه العلاقات منعطفاً مهماً من بعد الزيارتين الملكيتين سنتي 2001 و2015، إذ شكلتا محطتين مفصليتين أعطتا دفعة جديدة للعلاقات الثنائية وأسستا لمرحلة أكثر دينامية، ما ساهم في إعطاء نفس جديد للعلاقات بين البلدين وتشجيع توسيع مجالات التعاون بينهما، بحيث شهدت العلاقات الثنائية زخماً متزايداً، تجلى في تكثيف الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، التي تجاوزت ثلاثين زيارة على المستوى الوزاري، إضافة إلى تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.
في موضوع التبادل التجاري بين المغرب والهند كيف يمكن الرقي به ليعكس فعلا طبيعة الشراكة التي تريد القيادة في كلا البلدين ترسيخها؟.
عرفت التجارة الثنائية بين المغرب والهند نمواً مهماً، خاصة في السنوات الأخيرة، إذ صارت المبادلات التجارية بعد سنة 2020 تراوح ملياري دولار سنويا، إلى أن حققت رقما قياسيا بما يفوق 4 مليارات دولار برسم سنة 2022. ومن المتوقع، حسب أول المعطيات المتوفرة أن يصل حجم المبادلات إلى حوالي 4.5 مليارات دولار برسم سنة 2025. وتعكس هذه الدينامية اشتغال البلدين على تنويع وعاء منتجات المبادلات التجارية وتعزيز دينامية العلاقات الاقتصادية وتطويرها. وتتشكل الصادرات المغربية للهند أساسا من الفوسفاط والحمض الفسفوري والأسمدة، وخردة الألمنيوم والنحاس والحديد والفولاذ والرصاص والزنك، وبعض الأجزاء الكهربائية والإلكترونية ومنتجات النسيج. أما في ما يخص صادرات الهند إلى المغرب فتتكون أساسا من بعض زيوت المحروقات والأجهزة الميكانيكية والإلكترونية والسيارات، والمنسوجات والأدوية ومنتجات كيميائية والقطن والتوابل والقهوة والأرز.
كما أن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، خاصة زيارة جلالة الملك نصره الله إلى الهند سنة 2015، كانت حاسمة في جعل العلاقات بين البلدين إستراتيجية على أكثر من صعيد. ومع ذلك هناك إمكانات هائلة لتطوير المبادلات الثنائية، وذلك من خلال تنويع القطاعات التجارية وتشجيع الاستثمارات، خاصة أن الفاعلين الاقتصاديين الهنود واعون بالمؤهلات اللوجستية للمغرب وبنيته التحتية، من موانئ ومطارات، التي تمكن المملكة من لعب دور منصة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
