المبادئ الأساسية لإعداد تشريعات حول الإيداع القانوني وفقا لمعايير الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (إفلا) (IFLA)، والتي يجب أن تستأنس بها أي دولة في العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار واحترام خصوصية المبادئ الأساسية للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات والتي تراعي وتحترم طبيعة الإيداع القانوني ودوره انطلاقا من تاريخ الإيداع القانوني، بالإضافة إلى المسائل القانونية المتعلقة بالإيداع القانوني من خلال عناصر وضوابط نظام الإيداع القانوني المتمثلة في مصدر المنشور ابتداء من الشمولية مرورا بالمودع رعيا للمستقبل وعدد النسخ والأجر ومهلة الإيداع، ولا يتم ذلك إلا من خلال موضوع الإيداع القانوني والوثائق المطبوعة: كتب، دوريات، الكتيبات، والمسحوب على حده، مقطوعات موسيقية، وثائق أيقينية ومنشورات رسمية، خرائط، أنواع أخرى من الوثائق والوثائق غير المطبوعة، الميكروفورم، الوثائق السمعية البصرية مع أنواع أخرى من الوثائق غير المطبوعة، ثم الإيداع القانوني للمطبوعات الإلكترونية، ولا يتم ذلك إلا بوجود إطار قانوني لنظام وطني للإيداع القانوني.
ففي عام 1981 نشرت منظمة التربية والعلوم والثقافة، التابعة للأمم المتحدة، دراسة لجان لين (jean lunn) تحت عنوان: الدليل الإرشادي لتشريعات الإيداع القانوني تبعا لتوصية المؤتمر الدولي حول البيبليوغرافيا الوطنية، المنعقد سنة 1977 بباريس، بهدف تحرير قانون نموذجي حول الإيداع القانوني تعتمد عليه الدول الأعضاء.
دراسة جان لين مضت عليها 20 سنة، ومنذ نشرها عدلت عدة دول قوانينها في مجال الإيداع القانوني (ألمانيا، أندونيسيا والنرويج في سنة 1990، وفرنسا (1992)، السويد (1994)، كندا (1995)، جنوب إفريقيا (1997)، الدانمارك (1998)، اليابان وفنلندا (2000)، وهناك دول أخرى في صدد القيام بذلك: أستراليا، إسبانيا، المملكة المتحدة، سلوفينيا، وسويسرا).
إن الإيداع القانوني في الدول العربية هو إجراء ملزم قانونا، يفرض على المؤلفين الناشرين أو المنتجين، إيداع عدد محدد من نسخ المصنفات (كتب، دوريات، مواد سمعية بصرية) لدى المكتبة الوطنية أو هيئة حكومية مختصة، بهدف التوثيق وحفظ التراث الفكري والثقافي الوطني للأجيال القادمة، وتسهيل تسجيل الحقوق وتوفير قاعدة بيانات وطنية للإنتاج المحلي مع إتاحة النتاج الفكري والثقافي للمستفيدين، ويساعد على ترويج الأعمال الفكرية والثقافية من خلال إصدار البيبليوغرافيا الوطنية والفهارس الوطنية، ونشرات الإيداع مع توثيق ورقمنة الأعمال الفكرية.
فقد صدر قانون الإيداع في لبنان عام 1924، وأصدرت مصر سنة 1954 قانون الإيداع بدار الكتب والوثائق القومية، لحماية حق المؤلف، وصدر نظام الإيداع بالسعودية سنة 1412هـ، والجهة المسؤولة هي مكتبة الملك فهد الوطنية، وفي سنة 1970 صدر قانون الإيداع بالعراق وتتولى دار الكتب والوثائق الوطنية خدمة الإيداع، أما في الجزائر، فقد صدر قانون الإيداع سنة 1954 وتتولى المكتبة الوطنية الجزائرية مهام خدمات الإيداع، وفي قطر، تقوم دار الكتب القطرية بمهام المكتبة الوطنية، حيث صدر في عام 1982 قانون إيداع المصنفات، وفي عمان، صدر المرسوم السلطاني بقانون المطبوعات والنشر سنة 1404هـ.
أما في المغرب، فقد صدر في عام 1424هـ مشروع قانون رقم 69.99 بشأن الإيداع القانوني بالمكتبة للوطنية، كما صدر نظام إيداع المصنفات بالأردن لدى المكتبة الوطنية سنة 1994.
كما تتولى مكتبة الأسد الوطنية بسوريا، مهام الإيداع القانوني، وذلك بإلزام الناشر أو المؤلف بإيداع خمس نسخ قبل تداولها، وبذلك يعتبر الإيداع القانوني (Depot legal -Depesito legal-Legal deposit)، مؤشرا إيجابيا يعكس مسار النشر والتأليف في أي دولة بالمعمور.
ويعتبر الإيداع القانوني ومنذ أكثر من 450 سنة، أهم وأنجع وسيلة استعملتها الدول لجمع إنتاجها الفكري والفني على اختلاف أشكاله وأنواعه ولغاته، ويحدد آليات السيطرة البيبليوغرافية وحفظ ومراقبة التراث الثقافي من مختلف أنحاء العالم، فالإيداع القانوني يضمن حفظ منشورات التراث الوطني ويسمح بإنشاء البيبليوغرافيا الوطنية، ويطبق هذا القانون على الناشرين والطابعين والمؤلفين.
ولعل اجتماع مديري المكتبات الوطنية في أوروبا عام 1996، والذي تناول مشاكل وتحديات الإيداع القانوني للمصنفات الرقمية الإلكترونية، مع عرض التجارب المماثلة في هذا الصدد، كتجربة فرنسا وفنلندا وبريطانيا والنرويج والدانمارك، مما أسفر عن مشروع مكتبة الإيداع الدورية NED LIB ، والذي تلته عدد من الدراسات ذات الصلة بالموضوع، ومنها دراسة عام 1998 وأخرى عام 1999، تناولت البنية التركيبية لهذا المشروع، لا سيما من حيث الأرشفة، وفي عام 2003، أجريت دراسة في هذا المجال تناولت دول بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، تفرعت إلى مجالين: الشق التقني والشق القانوني.
وذلك من خلال العمل على ضوء توصيات مؤتمر المكتبات الأوروبية CENL، الذي تم تمويله من قبل الاتحاد الأوروبي والذي بدأ العمل فيه من يناير 2001 إلى يناير 2004، وفي عام 2001، ظهرت دراسة أخرى تناولت الخلفية التاريخية للمكتبة الوطنية الهولندية وربط ذلك بالأرشفة الرقمية.
وفي عام 2006، تقدمت دراسة في النرويج تناولت الكيفية التي يتم بها جمع المصنفات لتكون متاحة للمستفيدين على شبكة الأنترنيت.
ختاما: لا شك أن كل دولة في عالمنا المعاصر تهتم اهتماما كبيرا بتأكيد شخصيتها الوطنية والقومية، ومدى ما تسهم به في إثراء الحضارة الإنسانية من نتاجات عقولها المفكرة وإبداعات أبنائها في شتى مجالات الحياة، العلمية والفكرية والأدبية والفنية، وإذا كان عالم اليوم هو عالم المعلومات، فمن الطبيعي أن تنمية مقتنيات المكتبة الوطنية، وإصدار البيبليوغرافية الوطنية لأي دولة، يعتمدان بالدرجة الأولى على وجود إيداع قانوني بها.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

