القارئ لعنوان مقالتنا المتواضعة هذه - للوهلة الأولــى - سيصاب بالدهشة فالعنوان هو على مبدأ أشقائنا المصريين إذا أرادوا التعبير عن المتناقضات فيقولون : ( سمك لبن على تمر هندي ) فما علاقة شيخنا الطنطاوي بالواقعية وما علاقة الواقعية بتوبة رمضان ؟؟؟ صبرأً يا قوم وتابعوا معنا لمعرفة الجواب وسرّ الخلطــة :
يكتب بعض الأدباء قصصا يقولون أنها واقعية نقلا عن أمهاتهم وآبائهم وجداتهم وتاكيدا للواقعية في مسلكهم يسوقون المفردات العامية نفسها التي استخدمها الجد او الجدة وقد قرأت قصة من هذا النوع مرة لكاتب وسألته عن السر في الابقاء على الكلمات الفصحى كما هي فقال لي :
كان من مدعاة تفكيري في تدوين هذه القصة أن أستخدمها في تنمية مدارك النشء، وربطهم بتلك المفردات الموغلة في الفصاحة، والتي صار جيلُ اليوم لا يعرفُ منها إلا النزرَ اليسير، حتى إذا ما ألفوا التعاملَ مع اللغة العربية الفصحى، حملهم هذا الإلفُ على محبة أفصح الفصيح؛ القرآن العظيم، والحديث النبوي الصحيح، فيقودهم ذلك للتفقه في الدين الحنيف.
وقد صعب عليَّ جداً أن اعتمد في سردها منهج أرباب البيان من أهل العربية، ممن يركبون الخيال في صوغ وإنشاء القصص، لأن إطلاق العنان للقلم في مسارات الخيال لا تضمن معه السلامة من الكذب، خاصة وأن الخيال فرس جموح، وبحر طموح. ففضلت أن أنقل القصة كما سمعتها دون تزيُّدٍ، متبعاً في ذلك منهج علماء الحديث النبوي الشريف ممن يذهبون لقبول الرواية بالمعنى، مع الصرامة في التزام الدقة والصدق في النقل، مستخدماً الكلمات الفصيحة التي ذكرتها أمي أو جدتي معرباً لبعض كلامها العامي الآخر، غير زائد في المضمون ....
ولقد ذكرني هذا الكاتب بهذا التعليل الجميل بما دونه الشيخ علي الطنطاوي فقيه الأدباء وأديب الفقهاء -رحمه الله- في مذكراته، إذ قال:
((ولي كتاب اسمه "قصصٌ من التاريخ" آخذُ فيه أسطُراً معدودةً، أو حادثةً محدودةً، فأُعمل فيها خيالي، وأجيل فيها قلمي، حتى أجعل منها قصة.
بدأت بهذا العمل من سنة 1930م، من حين كنت أشتغل في جريدة "فتى العرب"، والقصص الأولى منشورة في كتابٍ لي نفِد من دهرٍ طويلٍ كان اسمه "الهيثميات".
من هذه القصص ما ذكره المؤرخون من أن امرأة من دمشق رأت انقسامَ المسلمين، وتقاعسَهم عن قتال الصليبيين، وأرادت المشاركة في الجهاد، فعمِلت ما تقدر عليه؛ قصَّت ضفائرَها، وبعثت بها إلى سِبط ابن الجوزي (أي ابن ابنته) خطيب الجامع الأُموي في دمشق؛ ليكون منها قيدٌ لفرسٍ من خيول المجاهدين.
ويقول المؤرِّخون: إنه خطب خطبةً عظيمة ألهبت الدماء في العروق، وأسالت الدموع من العيون، وأثارت الحماسة، وأيقظت الهِمَم، فلما كتبتُ القصة على طريقتي، ألَّفتُ أنا خطبةً قلتُ: إنها التي ألقاها على الناس.
وحَسِبَ الناسُ أن هذه هي الخطبة الحقيقية، حتى إن خطيب المسجد الحرام الرجل الصالح الشيخ عبد الله خياط نقل فقرات منها في خطبة الجمعة على أنها خطبةُ سِبط ابن الجوزي)).اهـ.
ثم أورد الشيخ الطنطاوي عقب هذه مباشرة قصة أخرى قال فيها: ((وكتبتُ مرةً قصصاً متخيلةً، عن أعرابي صحبنا في رحلة الحجاز، منها: ((أعرابي في الحمَّام))، ((أعرابي في سينما))، ((أعرابي ونقد الشعر))، وكلُها في كتابي ((صورٌ وخواطر))، قلت في الأخيرة منها: إن قبيلة على حدود اليمن اسمها (السوالم) لا تزال تنطق الفصحى، لم يدخل ألسنتها اللحن، ولا بلغتها العُجمة، وكان ذلك.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أخبار المرأة
