أثير| الصحابي مازن بن غضوبة وذريته: ألق الوفادة وعمق الأثر العلمي عبر الأجيال - كيف تحوّل من كسر الصنم إلى مسار علم ممتد؟ - كيف صنعت ذرية "الوافد" سلسلة علمية عبر 3 قرون؟ - كيف امتد الأثر العُماني من سمائل إلى بغداد ودمشق؟. لقراءة المقال

إعداد: سالم بن أحمد بن سالم الكثيري، باحث في التاريخ العُماني

إن تاريخ عُمان الحافل بالشخصيات العظيمة يجد في سيرة الصحابي الجليل مازن بن غضوبة الطائي النبهاني أنموذجاً فريداً للتحول الروحي والولاء المطلق للحق، فقصة إسلامه ليست مجرد حدث عابر في شريط الذكريات التاريخية، بل هي نقطة انطلاق لذرية مباركة حملت لواء العلم والحديث في الأمصار، ممتدة من سمائل العمانية إلى حواضر العالم الإسلامي آنذاك مثل الموصل وبغداد والشام، لترسم خريطة من التواصل الحضاري والعلمي العماني مع العالم الإسلامي، ومؤكدةً على جذور العطاء العماني في الوجدان المعرفي للأمة.

الوفادة والتحول الروحي: من ناجر إلى نور الهداية

تبدأ فصول هذه السيرة في قلب مدينة سمائل، حيث كان مازن بن غضوبة يسدن صنماً يقال له ناجر أو باجر، تعظمه بنو خطامة وبنو الصامت من طيء، وتفاصيل قصته أوردها الإمام أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة وغيره من المؤرخين، مشيراً إلى اللحظة المحورية التي سمع فيها مازن صوتاً هاتفاً من داخل الصنم يحثه على اتباع الدين الحنيف وترك الأوثان، ولم يتردد مازن بل حطم أصنامه وشد الرحال، مخترقاً الفيافي نحو المدينة المنورة في مستهل فجر الإسلام، ومما قاله شعراً في ذلك:

كسرت باجراً أجذاذا وكان لنا ربا نطيف به عميا لضلال

بالهاشمي هدينا من ضلالتنا ولم يكن دينه مني على بال

يا راكبا بلغن عمرا وإخوته وأني لمن قال ربي باجر قالِ

وقد كان لقاؤه بالمصطفى صلى الله عليه وسلم لقاءً تاريخياً حمل في طياته بشائر الخير لعمان قاطبة، ففي تلك الحضرة النبوية لم تكن طلبات مازن ذاتية بحتة، بل كانت تطلعاً لحياة أسمى، حيث سأل النبي أن يذهب عنه ما كان يجد من ولع بالطرب والخمر والنساء، وأن يرزقه العفاف والولد، فدعا له النبي بالهداية والكفاف، وخصّ أهل عمان بدعوات البركة في الميرة والبحر، وأمنهم من تسلط العدو الخارجي، واستجاب الله دعاء نبيه فتبدل حال مازن، وحفظ شطراً من القرآن، وحج حججاً، وخلّد رحلته تلك بأبياتٍ تنبض بالشوق ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة:

إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عمان إلى العرج

لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى فــيغفر لي ربــي فــأرجع بالــفلج

إلى معشر خالفت والله دينهم فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي

وكنت امرأ بالزعب والخمر مولعا شبابي حتى آذن الجسم بالنهج

فبدلني بالخمر خوفا وخشية وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي

فأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومي ولله ما حجي

حيان بن مازن: الوافد وامتداد الأثر

حمل حيّان بن مازن إرث والده الروحي، وعُرف بلقب الوافد، وهو اللقب الذي غدا وساماً تشرفت به ذريته من بعده (الوافدي) نسبة لوفادة والده على النبي الكريم، واعتبره الإمام أحمد بن حنبل من أثبت الناس، وكان يُقرن بكبار الفقهاء مثل الإمام الزهري، مما يؤكد أن مدرسة مازن بن غضوبة كانت منبعاً للاتقان والضبط العلمي، ولم يقتصر أثر هذه الأسرة على الجغرافيا العمانية، بل انتقل ثقلهم العلمي إلى حواضر العراق والشام، فقد برزوا كمحدثين ثقات يروون الأحاديث بأسانيد متصلة، ومنهم حيان الذي روى عنه ابنه حرب أحاديث مسندة، مما يعكس دور الإنسان العماني المبكر في توثيق السنة النبوية والمشاركة في صياغة المشهد العلمي في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي.

سلالة العلم والحديث: عبقرية عُمانية في حواضر الإسلام

توارثت هذه السلالة العلم والفضل جيلاً بعد جيل، مشكلةً مدرسة علمية رصينة وثقتها كبرى المراجع التاريخية بمداد من التقدير، فقد برز حفيد حيان بن مازن وهو حرب بن محمد الطائي، متمثلاً بملامح النبل والهمة، إذ لم يكتفِ بالرواية بل رحل يطلب العلم عن كبار الأئمة مثل مالك بن أنس والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة، ولم تكن مواهبه محصورة في النقل، بل كان عالماً بمساحة الأرض وهندستها، مما جعل الخليفة المأمون يستقدمه إلى دمشق للاستفادة من خبراته، وهي ترجمة حفلت بتوثيقها صفحات كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر.

هذا النبوغ تبلور بشكل أكبر في ابنه علي بن حرب الموصلي (ت 265هـ)، الذي لُقب بمسند وقته، وكان إماماً ثقة، أديباً وشاعراً، وبلغ من جلالة قدره أن الخليفة العباسي المعتز بالله(ت 255هـ) كتب عنه الحديث بخط يده، وأكرمه وأطلق له ضياعاً..

وقد ذُكر علي بن حرب في المصادر (مثل تاريخ بغداد وسير أعلام النبلاء) بأنه كان عالماً بأخبار العرب وأنسابها، مما يشير إلى أن دوره العلمي شمل حفظ التراث العربي وتدوينه.

وتواصل هذا المد المعرفي عبر أخيه أحمد بن حرب الذي جمع بين العلم والزهد وصولاً إلى محمد بن يحيى الوافدي (ت 340هـ) في بغداد،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة أثير الإلكترونية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة أثير الإلكترونية

منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 10 ساعات
هلا أف أم منذ 13 ساعة
صوت صحم للإعلام منذ 6 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 13 ساعة
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 13 ساعة
إذاعة الوصال منذ ساعتين
إذاعة الوصال منذ ساعتين
وكالة الأنباء العمانية منذ 6 ساعات