إيمان الفارس عمان - بين تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك بؤر التوتر من غزة إلى لبنان، ومن تصعيد الكيان الصهيوني إلى التوتر الأميركي الإيراني، يطرح الأردن مقاربة مختلفة، تقوم على معالجة جذور الصراع لا الاكتفاء بإدارة نتائجه.
وهي الرؤية التي أكدها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي في منتدى أنطاليا، حين شدد على أن الأمن والاستقرار والسلام العادل، لا يمكن تحقيقه من دون معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات، وفي مقدمتها وقف توسعية الكيان وإنهاء الاحتلال وتثبيت التهدئة في غزة ولبنان، إلى جانب منع تكرار أسباب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي هذا السياق، أكد خبراء في الشأن السياسي والأمني، في تصريحات لـ"الغد"، قابلية هذا الطرح للتطبيق، إذ تبقى ممكنة نظريا وواقعية سياسيا، لكنها مشروطة بتحولات حقيقية، تبدأ بإحياء مسار سياسي جاد للقضية الفلسطينية، وتمر بتفاهمات تخفف التوتر بين واشنطن وطهران، ولا تنتهي ببناء منظومة أمن إقليمي أكثر توازنا. ومن دون ذلك، سيبقى الطرح الأردني بوصلة صحيحة في منطقة ما تزال تتحرك بعكس اتجاه الاستقرار.
ووفق تحليلات الخبراء، فإن الطرح الأردني لا يمكن التعامل معه كتصريح دبلوماسي عابر، بل كخريطة طريق سياسية، تعكس فهما عميقا لطبيعة الصراع في المنطقة، إذ إن التجارب الدولية أثبتت أن الاتفاقات التي تتجاهل جذور الأزمات سرعان ما تنهار، بينما تستمر الحلول التي تعالج الأسباب البنيوية المرتبطة بالهوية والعدالة والسيادة والحقوق السياسية.
وأشارت تقديراتهم، إلى أن جوهر الأزمة ما يزال متمثلا باستمرار الاحتلال الصهيوني، وغياب أفق سياسي حقيقي لحل القضية الفلسطينية، وهو ما يجعل أي حديث عن استقرار إقليمي، ناقصا ما لم يبدأ من وقف السياسات الاستيطانية والتوسعية التي تعيد رسم الوقائع على الأرض، وتهدد فعليا فرص قيام الدولة الفلسطينية. فارتفاع وتيرة الاستيطان وتجاوز أعداد المستوطنين مستويات غير مسبوقة، يعكسان أن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت أيضا جغرافية وديموغرافية.
ووفق تحليلات الخبراء، يمتلك الأردن أدوات دبلوماسية وسياسية مؤثرة، تدعم طرحه القائم على معالجة جذور الصراع، إذ يشير هذا الطرح إلى أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق بالتهدئة المؤقتة بل بمعالجة مصادر التوتر الأساسية، من التمدد الإيراني وسياسات الكيان، مع اعتبار حل الدولتين المدخل الأكثر واقعية لتحقيق توازن واستقرار في المنطقة، شريطة توافر إرادة سياسية لترجمته إلى خطوات عملية.
تحقيق الاستقرار الإقليمي
وقال الماضي، إن الأردن عندما يطرح مشروعه السياسي ورؤيته تجاه ما يجري في المنطقة، فإنه لا يفعل ذلك من باب المواقف النظرية، أو الطروحات الدبلوماسية المجردة، بل انطلاقا من إدراك عميق لطبيعة الصراع وتعقيداته، ومن قناعة راسخة، بأن جذور الأزمات الحالية تعود في الأساس إلى استمرار الاحتلال لفلسطين، ورفض حكومة اليمين المتطرف في الكيان الذهاب نحو مفاوضات حقيقية تفضي إلى سلام فعلي، يحقق الأمن والاستقرار لشعوب المنطقة.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية، أن حكومة اليمين المتطرف في الكيان، ما تزال تتعامل بعقلية الهيمنة، وتعتقد بأنها الطرف القادر وحده على تقرير استقرار المنطقة أو إبقائها في حالة توتر دائم، لافتا إلى أن السياسات الاستيطانية المستمرة، إلى جانب سلوك التوسع والتمدد ومحاولات فرض الوقائع على الأرض، تعكس النهج الذي يحكم هذه الحكومة، وهو ما يجعل من الحديث عن تهدئة دائمة أو تسوية شاملة، أمرا بالغ الصعوبة في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لدى الكيان الصهيوني.
وأشار الماضي، إلى أن الأردن لطالما نبه إلى هذه الحقيقة، معتبرا بأن معالجة جوهر الأزمة يبدأ من إنهاء الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة، لأن ما يجري هناك يمثل الأساس الحقيقي للصراع، كما أن استمرار هذا الواقع أتاح لقوى إقليمية أخرى استغلال القضية الفلسطينية كمدخل لتوسيع نفوذها وتقاسم النفوذ في المنطقة، ومن أبرز هذه القوى إيران، التي استخدمت شعارات مرتبطة بالقضية الفلسطينية لتبرير تمددها خارج حدودها، وعلى حساب الدولة الوطنية العربية.
وفيما يتعلق بالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، رأى الماضي، أن هذا الملف يعد من أكثر الملفات تأثيرا على استقرار المنطقة، إلا أن المشكلة تكمن في غياب حلول حقيقية من قبل الأطراف المعنية، موضحا بأن الولايات المتحدة لم تتجه فعليا إلى معالجة جذور الصراع التي يمكن أن تحد من النفوذ الإيراني، وفي مقدمة ذلك، الضغط على حكومة اليمين المتطرف في الكيان لإنهاء الاحتلال، ووقف السياسات التي تمنح إيران مبررات سياسية وشعبية، لطرح نفسها كطرف مدافع عن قضايا المنطقة.
وبين أن الشعارات التي ترفعها إيران، تلقى تعاطفا لدى قطاعات واسعة من أبناء المنطقة، لكنها في جوهرها، شكلت غطاء سياسيا منحها شرعية للتحرك والتوسع الإقليمي، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية على حساب استقرار الدول العربية وسيادتها الوطنية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويجعل من الصراع أكثر تشابكا.
أما فيما يتعلق بقطاع غزة، فأكد الماضي، أن هناك حالة واضحة من التراجع الدولي والإقليمي في التعامل مع ما يحدث هناك، وكأن القضية دخلت في دائرة النسيان السياسي، رغم أن غزة ما تزال تمثل بؤرة أساسية لتغذية الصراع وعدم الاستقرار، مشيرا إلى أن الأردن كان دائما حاضرا في التذكير بحجم المأساة الإنسانية والسياسية التي يعيشها القطاع، وبأن تجاهل هذه القضية أو غياب حلول حقيقية لها، سيؤدي بالضرورة إلى استمرار دوائر العنف والتوتر في المنطقة.
وشدد على أن الأردن، وعبر طرحه السياسي العقلاني والمنطقي، سعى باستمرار إلى إبقاء هذه الملفات على الطاولة الدولية، وعدم السماح بتهميشها أو تجاوزها لصالح أولويات ظرفية أخرى. كما عمل على وضع هذه القضايا في مقدمة اهتمامات الدول الكبرى والأطراف المؤثرة، انطلاقا من قناعته بأن أي مقاربة تتجاوز جذور الصراع، لن تنتج استقرارا حقيقيا بل ستؤدي فقط إلى تأجيل الانفجار.
واعتبر الماضي، أن قدرة الأردن على ترجمة هذا الطرح إلى خطوات عملية على الأرض قائمة من حيث المبدأ، لكنها لا يمكن أن تنجح بصورة منفردة، إذ تحتاج إلى مساندة عربية حقيقية من الدول المؤثرة والمحورية في الإقليم، بخاصة تلك التي تمتلك ثقلا سياسيا ودبلوماسيا على الساحة الدولية، من أجل بلورة موقف عربي موحد، وخطاب سياسي مشترك، يعيد ترتيب الأولويات ويضع معالجة جذور الصراع في مقدمة الأجندة الإقليمية والدولية.
وأوضح بأن المنطقة العربية، عانت منذ سنوات من تفاوت الرؤى السياسية، ومن حالة من التراخي أو ضعف الحماس في طرح الملفات الأساسية على طاولة الحوار الدولي، وهو ما ارتبط بغياب التنسيق الفعلي بين الأطراف الرئيسة، القادرة على تشكيل حالة ضغط حقيقية على الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في الوقت نفسه.
وجدد الماضي تأكيده على أن المرحلة الحالية تتطلب من الدول العربية المحورية التقاط الرسالة الأردنية بجدية أكبر، بخاصة أن التطورات أثبتت صحة الرؤية الأردنية القائمة على أن استمرار تجاهل جذور الصراع، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات، وأن تحقيق الاستقرار في المنطقة العربية يحتاج إلى تنسيق عربي أوسع، وضغط سياسي أكثر فاعلية على الأطراف المعنية، وصولا إلى معالجة الأسباب الحقيقية للصراع وليس الاكتفاء بإدارة نتائجه.
تأجيل الانفجار
وفي تقييمه لإمكانية تنفيذ الرؤية التي طرحها الأردن، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي د. نضال أبو زيد، أن الأردن يملك بالفعل الأدوات الدبلوماسية الكافية، لعكس وجهة النظر الأردنية فيما يتعلق بوسائل حل الصراع في الإقليم، بخاصة في ظل الطرح الذي قدمه الصفدي في منتدى أنطاليا، والذي ركز على ضرورة معالجة الصراع من جذوره، وليس الاكتفاء بإدارته أو التعامل مع نتائجه المؤقتة.
وقال أبو زيد، إن تركيز الصفدي على حل الصراع من جذوره يعكس إدراكا أردنيا واضحا بأن الأزمات الإقليمية، لا يمكن احتواؤها فقط عبر وقف إطلاق النار أو التهدئة المرحلية، لأن ذلك لا يعالج الأسباب الحقيقية التي تقف خلف استمرار التوتر وعدم الاستقرار، بل يؤجل الانفجار إلى مراحل لاحقة بصورة أكثر تعقيدا.
وأضاف، أن هناك قضايا أساسية تشكل جوهر الصراع في المنطقة، وفي مقدمتها التدخلات الإيرانية في الإقليم، سواء عبر الوكلاء المنتشرين في عدد من الساحات العربية، أو عن طريق المشروع النووي الإيراني، إلى جانب ملف الصواريخ الباليستية، وهي جميعها ملفات لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن استقرار حقيقي ومستدام في الشرق الأوسط.
وأشار أبو زيد، إلى أنه في المقابل، هناك أيضا ملفات لا تقل خطورة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
