الرأي | لنبدأ من جديد مع الربيع

كدنا هذه السنة أن ننسى دخول الربيع الطلق.. فقد هل علينا في رمضان الكريم بأجوائه الرمضانية ووسط فيض أمطار قوية، ونشوب حرب كادت هي الأخرى تنسينا بهجته..

الربيع، هذا الحيز الزمني الفلكي (21 مارس 21 يونيو)، الذي يجسد انبعاث الروح وتجدد الأمل، لا يمكن أن يعيشه الإنسان دون أن يشعر بذلكم الانقلاب الغريب في إحساسه وشعوره وطريقة عيشه، ولعل من عبر عنه خلال الحضارات المتعاقبة هم الشعراء والأدباء والفلاسفة والموسيقيون، وكل واحد تفنن في إبراز خلجات النفس الإنسانية، فجاءت إبداعاتهم كأنها باقة ورود ربيع نفسه.

فالزهور كانت ولا زالت تجليا للعشق الإلهي وانعتاق الروح من جمود الشتاء؛ فمنذ فجر التاريخ، ارتبط الربيع بالبقاء، فبعد شتاء قارس وشح في الغذاء، كان الربيع يعني النجاة .

فالفراعنة احتفلوا بـ شم النسيم (عيد الربيع) منذ أكثر من 4500 عام، واعتبروه بداية خلق العالم، وكانوا يقدمون فيه البيض (رمز الخلق) والسمك المملح والبصل.

والبابليون احتفلوا بعيد أكيتو ، وهو مهرجان يستمر 12 يوما، لتجديد تنصيب الملك ومباركة المحاصيل.

والفرس اعتبروا النيروز أو اليوم الجديد، وهو أقدم احتفال ربيعي، ولا يزال مستمرا، أنه يرمز إلى انتصار الضوء على الظلام.

أما الإنسان المعاصر، فقد أصبح الربيع لديه احتفالا يكاد يكون استهلاكيا وجماليا، إذ تحول إلى صبغة سياحية واجتماعية أكثر منها طقوسية.

ففي اليابان، هناك مهرجان الهانامي (تأمل زهور الكرز)، حيث تخرج العائلات للجلوس تحت الأشجار.

وفي أوروبا وأمريكا، ترتبط المهرجانات غالبا بعيد الفصح أو يوم الأرض ، مع التركيز على النزهات والأنشطة الخارجية.

وفي بلادنا، يحلو قضاء اليوم فوق العشب الأخضر وتحت النخيل وفي خيام الصحراء للتلذذ بشرب كؤوس الشاي والانطلاق نحو الجبال المغطاة بالثلوج والاستمتاع بماء وديان تجري وتجري معها ذكريات قلوب، ويتساءل المرء هل هناك فرق بين الأمس واليوم؟ وهل هناك وجه المقارنة بين الإنسان القديم والإنسان المعاصر ؟

فالدافع وجودي، إذ أن الربيع يعني توفر الطعام والنجاة من الموت بردا، ومن قسوة الطبيعة التي يحتفل الإنسان ترفيهيا بهذه المناجاة، فيصبح الربيع يعني تحسن الطقس، العطلات، والتصوير والاستمتاع بمباهج الحياة عموما، فأصبح الارتباط بالطبيعة ارتباطا عضويا ورهبانيا وكأنه يقدس الأرض ويفهم دورتها،

وارتباطا سطحيا وكأن الإنسان غالبا ما يراقب الربيع من خلف شاشات الهواتف أو في الحدائق العامة.

أما الطقوس، فكانت عبارة عن ذبائح، وصلوات، وطقوس دينية لضمان وفرة المحصول الزراعي، الذي يزهر عن طريق مهرجانات موسيقية، وتسوق، ونزهات عائلية.

فبالرغم من أن الإنسان المعاصر فقد الرهبة التي كانت تسكن قلوب الأقدمين تجاه تقلبات الفصول، إلا أن بهجة الربيع تظل القاسم المشترك الوحيد الذي لم يتبدل، ذلك أن الربيع هو الفصل الوحيد الذي لا يحتاج إلى دعوة ليدخل السعادة إلى القلوب؛ إنه يفرض نفسه كقصيدة كونية تتكرر كل عام لترمم ما أفسده الشتاء، لذلك رأى العظماء في الربيع مرآة للنفس البشرية وتجددها. فهذا جلال الدين الرومي يقول: الربيع هو لغة الأرض التي تتحدث بها إلى السماء ؛ فقد كان يرى في تفتح الزهور تجليا للعشق الإلهي وانعتاق الروح من جمود الشتاء، أما جبران خليل جبران، فالربيع بالنسبة له انتصار الحياة الدائم، إذ قال: في قلب كل شتاء ربيع يختلج، ووراء نقاب كل ليل فجر يبتسم ، وحتى فريدريك نيتشه قال: الربيع هو طريقة الطبيعة لتقول: لنبدأ من جديد ، وعند بابلو نيرودا: أريد أن أفعل معك ما يفعله الربيع بأشجار الكرز ، في إشارة إلى قوة التغيير والجمال الفائق الذي يفرضه الربيع قسرا.

أما عند الفنانين، فلم يكن الربيع مجرد ألوان، بل كان ثورة بصرية؛ فعند بوتيتشيلي، في لوحته الشهيرة الربيع (Primavera)، فقد جسّد الفصل كـ جوقة من الآلهة والرموز الأسطورية ، معبرا عن الخصوبة والنماء، وعند فان جوخ، الذي كان مهووسا بأشجار اللوز المزهرة في الربيع، معتبرا إياها رمزا للصحوة الروحية، فقد رسمها بضربات فرشاة توحي بالحركة.

كما أن العرب كانوا من الحضارات التي تفننت في ذكر سحر الربيع، فأبو تمام اعتبره وكأنه شباب الزمان الذي يعيد الحيوية للأرض، وربطه بالجمال الأخلاقي والمادي، فكان يقول:

نزل الربيع بدار كل مُقَرّض

فغدا بها متبرّجا مَوْشِيَّا

أما الشعراء الأندلسيون في جنة الله في أرضه (مثل ابن خفاجة)، فقد تفننوا في وصف الطبيعة، واعتبروا الربيع عرسا دائما ، حيث الأشجار ترقص والأنهار تغني.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
أشطاري 24 منذ 9 ساعات
هسبريس منذ يوم
موقع بالواضح منذ ساعتين
موقع بالواضح منذ 6 ساعات
وكالة الأنباء المغربية منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات
أشطاري 24 منذ 9 ساعات